وكذلك صحيح ابن خزيمة،فإنه اختصره من كتابه الكبير،وكان جمع فيه الروايات الكثيرة تحت الموضوعات،ثم انتقى منه ما اشترط فيه الصحة،وقد يشير إلى ما في الباب من غير التخريج.
ويُعدّ من هذا القبيل انتقاء بعض طلاب الإمام النسائي للمجتبى من السنن الكبرى،ويتَّضحُ ذلك في أمرين:
1.ذكر أبوابًا كاملةً في الكبرى ولا ذكر لها في الصغرى.
2.ذكر أحاديث في أبواب من الكبرى،وليست في الصغرى،مثل ذكر بعض الأحاديث في كتاب عِشرة النساء من الصغرى،بينما هذا الكتاب في الكبرى أوسع بكثير. وكذلك فعل في فضائل الصحابة وخصائص عَلِيٍّ والتفسير.
قلت: وهذا يقطع أن الذي اختصره ليس الإمام النسائي .
-ومن أمثلته أيضًا: السنن الصغرى للبيهقي،والغالب فيها اختصار الأحاديث من السنن الكبرى،فالأبواب على ما يظهر واحدة،وجرى الاختصار في الأحاديث, فهي في الصغرى أقل. ولكن الترتيب مختلف .
وقد قال في مقدمة الصغرى:"فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَهَّلَ عَلَيَّ تَصْنِيفَ كِتَابٍ مُخْتَصَرٍ،فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ الْبَالِغِ اعْتِقَادُهُ وَالْاعْتِرَافُ بِهِ فِي الْأُصُولِ،مُنْوًى بِذِكْرِ أَطْرَافِ أَدِلَّتِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى،وَسُنَّةِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَمِنْ إِجْمَاعِ السَّلَفِ وَدَلَائِلِ الْمَنْقُولِ،ثُمَّ إِنِّي اسْتَخَرْتُ اللَّهً تَعَالَى فِي إِرْدَافِهِ بِتَصْنِيِفِ كِتَابٍ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ بَعْدَمَا صَحَّ اعْتِقَادُهُ فِي الْعِبَادَاتِ،وَالْمُعَامَلَاتِ،وَالْمُنَاكَحَاتِ،وَالْحُدُودِ،وَالسِّيَرِ،وَالْحُكُومَاتِ،لِيَكُونَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِكِتَابِهِ،وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُتَّبِعًا،وَبِالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ مُقْتَدِيًا،وَلِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيمَا فَرَضَ عَلَيْهِ،وَنَدَبَ إِلَيْهِ نَصًّا أَوْ دِلَالَةً مًطِيعًا،وَعَمَّا زَجَرَ عَنْهُ مُنْزَجِرًا،وَيَكُونُ فِي حَالَتَيِ التَّوْقِيرِ وَالتَّقْصِيرِ مِمَّنْ يَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ،وَيَخْشَى عَذَابَهُ،وَأَيُّ عَبْدٍ عَبَدَهُ حَقَّ قَدْرِهِ ؟ أَوْ قَامَ فِيمَا تَعَبَّدَهُ بِهِ بِوَاجِبِ أَمْرِهِ،وَاللَّهُ تَعَالَى بِجَزِيلِ إِنْعَامِهِ وَإِكْرَامِهِ،يُعِينُنَا عَلَى حُسْنِ عِبَادَتِهِ،وَبِفَضْلِهِ وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ يَتَجَاوَزُ عَنَّا مَا قَصَّرْنَا فِيهِ مِنْ طَاعَتِهِ،وَيُوَفِّقُنِي لِإِتْمَامِ مَا نَوَيْتُهُ مِنْ بَيَانِ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي اسْتِعْمَالِ الشَّرِيعَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِصَارِ،وَيُعِينُنِي وَالنَّاظِرِينَ فِيهِ لِلِاسْتِشْعَارِ بِهِ،وَالِاقْتِدَاءِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِأَهْلِ الرُّشْدِ وَالْهِدَايَةِ،وَلِحُسْنِ عَاقِبَتِنَا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ،وَبِعَبَادِهِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ"
مثال على ذلك:
ففي السنن الكبرى للبيهقي [1] 123- باب التَّوَقِّى عَنِ الْبَوْلِ.
(1) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 1 / ص 145)