ومما يفيد في الكلام كتب العلل المعاصرة خاصة رسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعات الإسلامية خاصة جامعة الأردن،قاموا بجهد مشكور ولهم اهتمام بالدراسات النقدية،فطبع منها:"منهج البخاري في التعليل"لأبو بكر كافي بإشراف المليباري،الدكتور حمزة بن عبد الله،و"الوهم في رواية مختلف الأمصار"لعبد الكريم الوريكات،وهذه الدراسات المعاصرة التي أسهمت بنوع جيد في طرق كشف العلة،وبيان العلل ونوعها،وإبراهيم بن الصديق له مجلدان كبيران على العلل الواقعين في كتابي"الوهم والإيهام"لابن القطان،الكتاب مطبوع في مجلدين،و"أجناس العلة"لمصطفى باجو،كتاب في مجلد جيد له جهد مشكور في جمع مسالك العلة عند الأئمة النقاد،والكتب التي تكلمت على الصحيحين ككتب الدارقطني وأبو علي الجياني،وغيرها من الكتب،هذه مما تسهم أيضًا وتضيف إضافات جيدة،إضافة إلى كل كتب الشيخ حمزة بن عبد الله المليباري،التي هي الحديث المعلول،وله أيضًا خمسة أو ستة كتب التصحيح عند ابن الصلاح،وأيضًا له كتاب في علوم الحديث في ضوء تطبيقات الأئمة النقاد وغيره من الكتب الموجودة للشيخ حمزة وهي كثيرة،والشيخ حاتم العوني أيضًا كتاباته جيدة،ولها إسهام جيد في كشف العلة وبيانها،وتُوقِف الطالب على طريق الطلب بشكل جيد ورائع،الإرشادات لطارق عوض الله من أجل مسألة المتابعات والشواهد،كل هذه القضايا والمسائل تسهم في بناء الطالب في التذوق،تنقله نقلة من الجانب النظري الذي يعمل فيه منذ سنين،إلى نوع من الممارسة والتطبيق وغيره من المسائل.
المقصود بالحكم على الحديث: بيان مرتبته من الصحة أو الحسن أو الضعف أو الوضع،وذلك بعد دراسة إسناده على الوجه الذي سبق آنفًا،أما بالنسبة للحكم على هذا الحديث الذي درسنا إسناده فهو كما يلي:
أولًا: أن رجال الإسناد الستة كلهم ثقات،أي عدول ضابطون،يعني أن رجال الإسناد رجال الصحيح،وإن كان بعضهم وهما"عمرو بن شعيب"وأبوه"شعيب"ليسا من أعلا رجال الصحيح بل هما من أدنى رجال الصحيح.
ثانيًا: إن سند الحديث متصل وإن كان فيه شوب انقطاع في عنعنة شعيب عن جده عبد الله بن عمرو،وذلك لأن شعيب مذكور في الطبقة الثانية من طبقات المدلسين،هو ثابت السماع من جده،فشعيب قد كفله جده،وتربى في حجره؛ لأن أباه محمد مات وهو صغير وهو ثابت السماع من جده في"مستدرك الحاكم"وفي"سنن أبي داود"وغيرهما،كما في سنن أبى داود ( 3549 ) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ يَجُوزُ لاِمْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلاَّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا » .
وعند النسائي (2552) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ فِى خُطْبَتِهِ « لاَ يَجُوزُ لاِمْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلاَّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا » .
لكن سماعه منه قليل يعني الأحاديث التي رواها شعيب عن جده عبد الله بن عمرو ليست بالكثرة التي ترشح لقبول مروياته إذا عنعن،وهو هنا قد عنعن،أن أباه حدثه عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
ثالثًا: لم يظهر لي في حدود اطلاعي شذوذ أو علة في سند هذا الحديث أو متنه.
مما تقدم أقول: إن الحديث صحيح لكن ليس في قمة أنواع الصحيح،وإنما هو من أدنى مراتب الصحيح أو هو من أعلى مراتب الحسن،والله أعلم.