الباب الثاني
دراسة الأسانيد
إن دراسة الأسانيد لا تَقِلُّ قيمةً عما قبلها ؛ بل هي العمودُ الفقريُّ أو الأساس في الحكم على الحديث،صحةً وضعفًا .
إنك أيها الطالب بعد أن تستخرج الحديث من مواطنه من الكتب الأصلية؛ فإنك ترجع إلى الكتاب الأصلي وتسجل في مدونتك،في كراستك،في الكروت التي تعمل فيها تسجل أسانيد هذه الأحاديث بمتونها.
أنت استخرجت يعني جمعت من الموارد الحديث الذي تريد البحث فيه فبعد أن وضعت الحديث أمامك كل حديث من الكتاب بطريق مستقل قد يشتركون في بعض الطرق وقد لا يشتركون،لكن أمامك حديث مخرج من خمسة كتب أو عشرة كتب أو تقل أو تكثر؛ فما هي المرحلة التالية بعد أن استخرجت الحديث من الكتاب الأصلي؟
إذا كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما؛ فإنه محكوم بصحته عند عامة أهل العلم،وإذا كان الحديث المخرج من صحيح ابن خزيمة أو من صحيح ابن حبان؛ فإنهم شرطوا الصحة فلا يخرجون إلا الصحيح مع تفاوت في مقدار هذه الصحة قلةً وكثرةً. والترمذي -رحمه الله تعالى- لا يترك حديثا في الغالب إلا ويُعقب عليه بحكم؛ صحةً أو حسنًا أو ضعفًا أو تعارضًا في الوصل والإرسال أو الرفع والوقف إلى غير ذلك مما تراه في كل صفحة من صفحات سنن الترمذي.
فمن هذه الكتب تستطيع أن تحكم على الحديث: الصحيحان،صحيح ابن حبان،صحيح ابن خزيمة،مستدرك الحاكم،سنن الترمذي. لكن إذا كان الحديث في غير هذه الكتب ولم يصرح الإمام المصنف صاحب الكتاب بمنهجه كمسند أحمد مثلًا تستخرج منه وأنت لا تدري هذا الحديث صحيح أم ضعيف،أنت لا تدري تخرج الحديث من سنن أبي داود،تخرج الحديث من سنن النسائي،من مسند أبي يعلى. ما درجة هذا الحديث من حيث الاحتجاج ومن حيث العمل؟
فلن تستطيع الوصول إلى الحكم على الحديث إلا بدراسة إسناده،وهذا الذي نريد أن نلقي عليه الضوء الآن كيف أستطيع الوصول إلى الحكم على الإسناد الذي هو طريق مُوصِل إلى المتن؟.
الطريق الموصل إلى المتن هو الإسناد،هذا الإسناد لا بد له من حكم،وهذا الإسناد مركب على الحدِّ الأدنى جدًا ثلاثة رواة في الثُّلاثيات وهذا نادر وقليل،ثلاثة عشر حديثا في البخاري كله،الرباعيات كثيرة خماسيات،يعني عدد رواة الإسناد الموصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يكون خمسة رجال بالصَّحابي أو خمسة غير الصحابي يقلُّ أو يكثرُ.
ولذلك كان هذا العلم وهو علم الأسانيد منقبةً ومفخرةً عظيمةً وشرفًا عظيمًا لهذه الأمة؛ لأن أنبياء الأمم السابقة حصل انفصالٌ تاريخيٌّ بينهم وبين أتباعهم فتجد بين عيسى -عليه السلام- وبين الروايات التي تُحكَى عنه مئات السنين.
أما نحن بفضل الله -سبحانه وتعالى- من مفخرة هذا الأمة،وهذه يشهد بها الأعداء قبل الأصدقاء كلمة المستشرق اليهودي المجري"مارجليوث":"ليفتخر المسلمون ما شاؤوا بعلم حديثهم".
وكان للسلف من التابعين فضل السبق في هذا،لَمَّا وقعت الفتن وحصلت المعارك في"صفين"و"الجمل"وغير ذلك من الفتن وظهرت البدع تطلُّ بقرونها على الأمة من تشيع وخوارج ونواصب وغير ذلك؛ فعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ. [1]
فلا يقبلون من أحد قولًا إلا بتسميةِ عمن يروي،و"الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ وَلَوْلاَ الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ". [2]
(1) - صحيح مسلم (27 )
(2) - صحيح مسلم (32 ) عن عبد الله بن المبارك