فابن سعد إمام ثقة له كلام في الجرح والتعديل،لكن ليس حكمًا،يعني هناك أناس تتكلم في الجرح والتعديل،وهناك حكام في الجرح والتعديل؛فأحيانًا يتعارضُ كلام هؤلاء المتكلمين مثلًا ابن حبان وابن سعد والعجلي وابن عدي وغيرهم من الترمذي يجرحون ويعدِّلون ويتكلمون في الرواة عامة،ثم كلام هؤلاء إذا تعارض مثلًا مع كلام أحمد،ابن معين تنقلب الكفة،يعني الموضوع ينتهي،إذا تعارض مثلًا مع كلام عبد الرحمن بن مهدي وأبي حاتم وأبي زرعة هؤلاء الطبقة من النقاد الذين هم المرجع الأول في هذا الشأن،نقدم قول هؤلاء في الأعمِّ الأغلب،لأنهم أدرى بأصول الجرح والتعديل من غيرهم بلا ريب .
ـــــــــــــــ
قال السيوطي:"الذهبي الإمام الحافظ محدث العصر وخاتمة الحفاظ ومؤرخ الإسلام وفرد الدهر والقائم بأعباء هذه الصناعة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان قايماز التركماني ثم الدمشقي المقرئ."
ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة وطلب الحديث وله ثماني عشرة سنة. فسمع الكثير ورحل وعني بهذا الشأن وتعب فيه وخدمه إلى أن رسخت فيه قدمُه وتلا بالسبع وأذعن له الناسُ ،وحكيَ عن شيخ الإسلام أبي الفضل ابن حجر أنه قال: شربتُ ماء زمزم لأصلَ إلى مرتبة الذهبي في الحفظ ،وليَ تدريس الحديث بتربة أم الصالح وغيرها وله من المصنفات تاريخ الإسلام التاريخ الأوسط الصغير،سير النبلاء ،طبقات الحفاظ التي لخصناها في هذا الكتاب وذيلنا عليها،طبقات القراء ،مختصر تهذيب الكمال ،الكاشف مختصر ذلك المجرد في أسماء رجال الكتب الستة ،التجريد في أسماء الصحابة،الميزان في الضعفاء ،المغني في الضعفاء وهو مختصر نفيس وقد ذيلت عليه بذيل مشتبه النسبة،مختصر الأطراف لشيخه المزي،تلخيص استدراك مع تعقب عليه ،مختصر سنن البيهقي،مختصر المحلى ،وغير ذلك ،وله معجم كبير وصغير ومختص بالمحدثين ،والذي أقوله: إن المحدِّثين عيالٌ الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي والذهبي والعراقي وابن حجر.
توفي الذهبي يوم الاثنين ثالث ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة بدمشق وأضر قبل موته بيسير. ورثاه التاج بن السبكي بقصيدة أولها:
من للحديث وللسارين في الطلب ... من بعد موت الإمام الحافظ الذهبي
من للرواية للأخبار ينشرها ... بين البرية من عجم ومن عرب
من للدراية والآثار يحفظها ... بالنقد من وضع أهل الغي والكذب
من للصناعة يدري حل معضلها ... حتى يريك جلاء الشك والريب
ومنها:
هو الإمام الذي روت روايته ... وطبق الأرض من طلابه النجب
ثبت صدوق خبير حافظ يقظ ... في النقل أصدق أنباء من الكتب
الله أكبر ما أقرا وأحفظه ... من زاهد ورع في الله مرتقب [1]
وقد سمَّى كتابه كذلك؛ لأنه جمع فيه المشهورين بالحفظ الأئمة الحفاظ،نعرف الحافظ لقبٌ من ألقاب المشتغلين بعلم الحديث،فهناك محدِّث وهناك مسنِدٌ الذي يروي الحديث بإسناده يُقال له مسند،يعني لا يروي الحديث إلا بإسناد،ثم إذا حَصَّلَ جملة من الأسانيد،إذا حفظ مائة ألف حديث وعرف أسماء عشرة آلاف راوٍ وحَصَّل الكتب التسعة وحوالي مثلًا ألف جزء حديثي وغير ذلك حفظًا هذا يُقال له محدِّث،يعني لا يكون في زماننا محدِّثًا حتى يلج الجملُ في سَمِّ الخياط هذا الكلام قاله الإمام السيوطي في القرن التاسع،ونحن عندما نسمي مثلًا هذا من باب حسن الظنِّ بالعلماء ومراعاة أحوال الزمن،فإذا حَصَّلَ هذا القدر يُقال له محدَّث.
والحافظ مسألة أعلى من ذلك بكثير،إلى أن نصل إلى الحجَّة،وفيه كلام على مرتبة الحجة أو الحاكم عند النقاد ثم أمير المؤمنين في الحديث،وهي مرتبة البخاري وأحمد بن حنبل وابن معين وابن مهدي..
(1) - طبقات الحفاظ للسيوطي - (ج 1 / ص 108)