فهرس الكتاب

الصفحة 555 من 701

والحقيقة التي لا مِرْيَةَ فيها أن كتاب"تهذيب التهذيب"للحافظ ابن حجر كتاب قَيِّمٌ مُحَرَّرٌ مفيدٌ، وقد بذل الحافظ ابن حجر فيه جهدا كبيرا واضحا، وقد اختصرَ ما يستحق الاختصار، وزاد ما يستحق الزيادة ،وحَرَّر وهَذَّبَ واستعان -مع اطلاعه الواسع- بعددٍ من المصنفاتِ في إخراج هذا الكتاب بشكل مرضيٍّ؛ فجزاه الله خيرا على صنيعه هذا، وأجزل مثوبته!!

وهو أجودُ الكتبِ وأدقُّها بين الكتب التي عَملت على اختصار وتهذيب كتاب الحافظ المزي، وعلى وجه الخصوص هو أجود من كتاب"تذهيب التهذيب"للذهبي؛ للميزات الكثيرة التي تُميزه عنه التي أشار إليها ابن حجر في مقدمة كتابه"تهذيب التهذيب".

وما قاله الحافظ عن كتاب"الكاشف"؛ ففيه نظر وسوف نقارن بينهما أثناء الكلام على مرتاب التقريب، وأما ما يقوله البعض في هذه الأيام من أن الحافظ ابن حجر قد اختصر كتاب المزيِّ فأخلَّ بكثير من مقاصده بل ربما بالغ بعضهم؛ فقال: لقد نَسَخَ ابنُ حجر كتابَ المزيّ وأفسده محتجين بأن الحافظ ابن حجر قد حذف كثيرًا من شيوخ وتلاميذ كثيرٍ من المترجَمين وأنَّ ذِكْرَ هؤلاء الشيوخ والتلاميذ له فائدة كبيرة لا تخفى على المشتغلين بالحديث وعلم الرجال.

فالجواب: أننا لا ننكر فائدة ذكر هؤلاء الشيوخ والتلاميذ، لكن يقال: إن موضوع الاختصار والتهذيب هوهذا وليس كل مراجع يستفيد من معرفة كل هؤلاء الشيوخ والتلاميذ، ومن أراد التوسع أو احتاج إلى معرفة بعضهم؛ فليرجع إلى الأصل؛ إذ من المعروف أنه لا تغني المختصرات عن أصولها في كل شيء.

ومن جهة ثانية؛ فليس في الكتاب ما يُنْتَقَدُ إلا هذا، مع أن في اختصار كثير من الشيوخ والتلاميذ لبعض المترجمين وجهةَ نظر وليست خطأً وقع فيه ابن حجر.

وأخيرًا؛ فلو أنصف المرء فذكر حسنات الكتاب الكثيرة لا سيما حذفه كثيرًا من الأحاديث العوالي التي أوردها المزي من روايته؛ لأَقَرَّ بأن عمل الحافظ ابن حجر في هذا الكتاب عملٌ نافعٌ مشكورٌ، وأن الكتاب من خيرة الكتب في معرفة تراجم رجال الكتب الستة والله أعلم.

إن"تهذيب التهذيب"على جلالة قدر مصنفه، وفائدة الكتاب العظيمة في تحرير بعض الوفيات، وزيادات في الجرح والتعديل ونحو ذلك إلا أن الطالب الذي يبحث عن تعيين راوٍ لا يمكن له أبدًا استخدام"تهذيب التهذيب"، ولو استخدمه؛ سيضل ولا يصل إلى الحقيقة بحال من الأحوال ، فلا بد أن يرجع للأصل وهو تهذيب الكمال للمزي رحمه الله .

ـــــــــــــــ

سادسًا

تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر

هو اختصار لكتابه القيم تهذيب التهذيب: وهو بنفس ترتيبه ، وفيه اسم صاحب الترجمة ، والحكم عليه جرحًا وتعديلًا ، وذكر طبقته ، ومتى توفي .

ومن المعلوم أن الحافظ ابن حجر - رحمه الله - من أهل الاستقراء التام في علم الحديث ، على وجه الخصوص علم الرجال ، لأن هذا العلم هو أول العلوم الحديثية التي قرأها ودرسها ،إذ عانها وهو لا يزال في المكتب ، وعلى وجه التحديد سنة (786 هـ) وعمره لم يتجاوز الثلاثة عشر عامًا .

قال السخاوي عن شيخه الحافظ ابن حجر:"إنه حبب إليه النظر في التواريخ وأيام الناس ، حتى إنه كان يستأجرها ممن هي عنده ، فعلق بذهنه الصافي الرائق شيء كثير من أحوال الرواة ، وكان ذلك بإشارة من أهل الخير ." [1]

ولقد كان للتقريب مكانة خاصة عند ابن حجر ، إذ بقي الكتاب بين يديه طيلة (23) عامًا ، يضيف إليه ، ويحذف منه ، ويعدِّلُ فيه ، ويعيد ضبط ما ضبطه قبل أو بضبط ما لم يضبطه ...

وهكذا نرى أن ( التقريب ) هو خلاصة ما توصل إليه الحافظ ابن حجر من أحكام على رواة الكتب الستة وما ألحق بها ، وعصارة فكر متواصل البحث والدراسة والتحقيق والتحرير مدة زادت على الستين عامًا من حياة عالم موسوعيٍّ ويقظٍ ذكيٍّ .

ــــــــــــــ

(1) - انظر منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها د- وليد العاني رحمه الله ص 22

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت