فهرس الكتاب

الصفحة 540 من 701

سَمِعْتُ الشَّيْخ عَبْد اللهِ بن حَسَنِ بنِ مُحَمَّدٍ الكُرْدِيّ بِحَرَّانَ يَقُوْلُ: قَرَأْت فِي رَمَضَانَ ثَلاَثِيْنَ ختمَة، وَجَعَلت ثوَاب عشر مِنْهَا لِلْحَافِظ عَبْد الغَنِيِّ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: ترَى يَصل هَذَا إِلَيْهِ؟

فَرَأَيْت فِي النَّوْمِ كَأَنَّ عِنْدِي ثَلاَثَة أَطباق رطب، فَجَاءَ الحَافِظ، وَأَخَذَ وَاحِدًا مِنْهَا. [1]

إن من أقدم ما وصلنا من كتب التراجم الخاصة برجال الكتب الستة كتاب"الكمال في أسماء الرجال"للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسيّ الْجُمَّاعِيليّ الحنبليّ المتوفى سنة ستمائة للهجرة. ويعتبر هذا الكتاب أصلًا لمن جاء بعده في هذا الباب، غير أنه أطال فيه مع أنه يحتاج إلى استدراك لبعض التراجم، وتحرير لبعض المسائل، وتهذيب لكثير من الأقوال والأمثلة، وهو مع ذلك -كما قال الحافظ ابن حجر- من أَجَلِّ المصنفات في معرفة حملة الآثار وَضْعًا، وأعظم المؤلفات في بصائر ذوي الألباب وَقْعًا.

ــــــــــــــ

الثاني

تهذيب الكمال للمزي

يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن علي بن عبد الملك ابن علي بن أبي الزهر الكلبي القضاعي الدمشقي ،شيخنا وأستاذنا وقدوتنا ،الشيخ جمال الدين أبو الحجاج المزي ،حافظ زماننا حامل راية السنَّة والجماعة والقائم بأعباء هذه الصناعة والمتدرع جلباب الطاعة ،إمام الحفاظ كلمة لا يجحدونها وشهادة على أنفسهم يؤدونها ورتبة لو نشر أكابر الأعداء لكانوا يودونها ، واحد عصره بالإجماع وشيخ زمانه الذي تصغي لما يقول الأسماع ، والذي ما جاء بعد ابن عساكر مثله وإن تكاثرت جيوش هذا العلم فملأت البقاع، جد طول حياته فاستوعب أعوامها واستغرق بالطلب لياليها وأيامها وسهر الدياجي في العلم إذا سهرها غيره في الشهوات أو نامها ، ذكره شيخنا الذهبي في تذكرة الحافظ وأطنب في مدحه وقال: نظر في اللغة ومهر فيها وفي التصريف وقرأ العربية، وأما معرفة الرجال فهو حامل لوائها والقائم بأعبائها لم تر العيون مثله انتهى.

وذكره في المعجم المختص وأطنب ثم قال: يشارك في الفقه والأصول ويخوض في مضايق المعقول فيؤدي الحديث كما في النفس متنا وإسنادا وإليه المنتهى في معرفة الرجال وطبقاتهم انتهى.

وقد قدمنا في ترجمة الشيخ الإمام الوالد أني سمعت شيخنا الذهبي يقول: ما رأيت أحفظ منه ،وأنه بلغني عنه أنه قال: ما رأيت أحفظ من أربعة ابن دقيق العيد والدمياطي وابن تيمية والمزي وترتيبهم حسبما قدمناه ، وأنا لم أر من هؤلاء الأربعة غير المزي، ولكن أقول: ما رأيت أحفظ من ثلاثة المزي والذهبي والوالد .

وبالجملة كان شيخنا المزي أعجوبة زمانه يقرأ عليه القارئ نهارا كاملا والطرق تضطرب والأسانيد تختلف وضبط الأسماء يشكل وهو لا يسهو ولا يغفل، يبين وجه الاختلاف ويوضح ضبط المشكل ويعين المبهم ،يقظ لا يغفل عند الاحتياج إليه وقد شاهدته الطلبة ينعس فإذا أخطأ القارئ ردَّ عليه كأنَّ شخصا أيقظه وقال له قال هذا القارئ كيت وكيت هل هو صحيح وهذا من عجائب الأمور.

(1) - سير أعلام النبلاء (21/444) فما بعدها - 235 -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت