وكان قد انتهت إليه رئاسة المحدثين في الدنيا ،وكنت أنا كثير الملازمة للذهبي أمضي إليه في كل يوم مرتين بكرة والعصر، وأمَّا المزي فما كنت أمضي إليه غير مرتين في الأسبوع، وكان سبب ذلك أن الذهبي كان كثير الملاطفة لي والمحبة فيَّ بحيث يعرف من عرف حال معه أنه لم يكن يحبُّ أحدا كمحبته فيَّ، وكنت أنا شابا فيقع ذلك مني موقعا عظيمًا، وأمَّا المزي فكان رجلا عبوسا مهيبا، وكان الوالد يحب لو كان أمري على العكس أعني يحبُّ أن ألازم المزي أكثر من ملازمة الذهبي لعظمة المزي عنده. [1]
وشغر مرة مكان بدار الحديث الأشرفية فنزلني فيه فعجبت من ذلك، فإنه كان لا يرى تنزيل أولاده في المدارس، وها أنا لم أل في عمري فقاهة في غير دار الحديث ولا إعادة إلا عند الشيخ الوالد ،وإنما كان يؤخرنا إلى وقت استحقاق التدريس على هذا ربانا رحمه الله، فسألته فقال ليقال: إنك كنت فقيها عند المزي.
ولما بلغ المزي ذلك أمَرهم أن يكتبوا اسمي في الطبقة العليا، فبلغ ذلك الوالد فانزعج وقال: خرجنا من الجدِّ إلى اللعب لا والله عبد الوهاب شاب ولا يستحق الآن هذه الطبقة، اكتبوا اسمه مع المبتدئين، فقال له شيخنا الذهبي: والله هو فوق هذه الدرجة وهو محدِّثٌ جيدٌ ،هذه عبارة الذهبي، فضحك الوالد وقال: يكون مع المتوسطين .
وقال الذهبي في التذكرة: إن المزي كان يقرر طريقة السَّلف في السنَّة فيعضد ذلك بقواعد كلامية ومباحث نظرية ، قال: وجرى بيننا مجادلات ومعارضات في ذلك تركها أسلم انتهى .
وكان للمزي ديانةٌ متينةٌ وعبادةٌ وسكونٌ وخيرٌ.
مولده في ليلة العاشر من شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة بظاهر حلب سمع منه ابن تيمية والبرزالي والذهبي وابن سيد الناس والشيخ الإمام الوالد وخلق لا يحصون ،وصنف تهذيب الكمال المجمع على أنه لم يصنف مثله وكتاب الأطراف توفي في يوم السبت ثاني عشر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة بدار الحديث الأشرفية ودفن بمقابر الصوفية اهـ [2]
وحيث إن الكتاب يحتاج إلى تهذيب وإكمال وتحرير؛ فقد قام الحافظ الشهير أبو الحجاج يوسف بن الزكي المزيّ بتهذيبه وإكماله في كتاب سَمَّاه"تهذيب الكمال"وقد أجاد في هذا الكتاب وأحسن، كما وصفه الحافظ ابن حجر، لكنه أطال فيه أيضًا، ويقول ابن السبكي في وصفه: أُجْمِعَ على أنه لم يُصَنَّف مثله ولا يُستطاع.
وذَيَّل على كتاب المزي وأكمله الحافظ علاء الدين مُغْلطاي المتوفى سنة اثنين وستين وسبعمائة للهجرة، وسَمَّى تذييله هذا"إكمال تهذيب الكمال"وهو كتاب كبير جليل نافع، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه انتفع بكتاب مغلطاي هذا.
(1) - انظر يا رعاك الله على هذا الأدب الجم ، فمع اختلافه مع الإمام الذهبي لم يمنع ابنه من الانتفاع به ، وحضور مجالسه ، وهذا إن دلَّ على شبء فإنما يدلُّ على تدخل القدر في ذلك ، ففي صحيح البخارى (4949 ) عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فِى جَنَازَةٍ فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ فَقَالَ « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ » . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ قَالَ « اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ » . ثُمَّ قَرَأَ ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ) الآيَةَ .
(2) - طبقات الشافعية الكبرى للسبكي - (ج 10 / ص 196) فما بعدها - 1417-