فهرس الكتاب

الصفحة 493 من 701

نقول: إن دراسة الصحابة -رضي الله عنهم- لا من أجل كونهم عدولًا أو غير عدول ولكن من جهة الاتصال والانقطاع،بمعنى إذا قلنا هذا الحديث رواه التابعيُّ،وليكن كبار التابعين الذين لازموا الصحابة عمرًا مديدًا؛ أمثال عطاء بن أبي رباح،وعكرمة مولى ابن عباس،وسعيد بن المسيب مع أبي هريرة،وعروة بن الزبير مع خالته عائشة،كل صحابي كان له تلامذة يحملون لواء مدرسته،عبد الله بن مسعود عنده علقمة،إلى غير ذلك من المدارس العلمية التي كانت متناثرة في أرجاء الأرض بعد الفتح الإسلامي وبعد توسع الفتوح ونزول الصحابة ببلاد الشام ومصر واليمن وغير ذلك من البلدان.

فإذا كان هذه الطبقة الكبار أمثال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح وغيرهم هم الذين يروون،ما الذي يضمن لي أن هذا التابعي روى الحديث عن تابعي مثله؟

والتابعي الذي روى عنه يكون أيضًا قد روى عن تابعي وحصر الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- أكثر ما يوجد من رواية التابعين بعضهم عن بعض ست أنفس،ست يروون بعضهم عن بعض في حديث واحد،فلذلك قال العلماء: إن معرفة الصحابي شرطٌ في دراسة الإسناد،لأنه قد يكون هذا الراوي الذي هو التابعي الكبير المفترض أن يروي الحديث عن الصحابي لم يروه عن صحابي،وإنما رواه عن تابعي،هذا التابعي الذي روى عنه مجهول غير مذكور عندي في الإسناد،أنا لا أعرف إذا كان عدلا أم غير عدل،فنحنُ إذا مررنا بطبقة الصحابة رضي الله عنهم لا نسألُ عنهم؛ ولكننا نسأل عمن جاء بعدهم،حتى ولو كانوا تابعين،فليس كلُّ التابعين عدولًا .

صحيحٌ أن طبقة التابعين الكبار كان الكذبُ فيهم قليلًا،والديانةُ فيهم عاليةً،إلا أن هذه قواعد لا مجاملة فيها،فلا بدَّ من معرفة عمَّن روى التابعي،فإذا كان روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرةً،ولم يذكر الصحابي،هذا يسمَّى حديثًا مرسلًا،يعني الحديث منقطع ليس فيه الاتصال،وهذه علةٌ تجعل حديثه مختلفًا عن الحديث الموصول؛ فلأجل ذلك اشترط أهل العلم المعرفة بالصحابي،ولو أن التابعي أبهم الصحابي فلا يضره ذلك،لأن جميع الصحابة عدولٌ .

فلو قال سعيد بن المسيَّب مثلًا عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ،فطالما أنه عزا الحديث وأسنده إلى رجل من الصحابة مبهم؛ نقول له: لا يعنينا؛ لأن الصحابة كلهم عدول،سواء أكان الصحابي أبا ذر أو أبا هريرة أو غيرهما .

ومن هنا فقد اشترط العلماء دراسة الصحابة ومعرفة أحوالهم وطبقاتهم؛ لأنهم موزعون على طبقات؛ فيهم السابقون الأولون ومن جاء بعدهم ومن رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - مجرد رؤيا أو جالسه مرة أو ثبت له شرف الصحبة لكن لم يلازمه طويلًا على قول جمهور أهل العلم في اشتراط الصحبة.

والمصنفات المفردة في تراجم الصحابة كثيرة أشهرها:

1-الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر الأندلسي:

هو الإمام الرباني،العلامة العلم أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي.

ولد يوم الجمعة -والإمام يخطب- لخمس بقين من شهر ربيع الآخرة سنة 368هـ. كما نقل صاحبه أبو الحسن طاهر بن مفوز المعافري،عن ابن عبد البر نفسه1. وقيل غير ذلك.

نشأ رحمه الله بمدينة قرطبة،وكانت عاصمة الخلافة بالأندلس في ذلك الحين.

وكانت الأندلس مدينة العلم،واحتضنت عددًا كبيرًا من العلماء،إذ نزلها جماعة من التابعين وتابعيهم حتى أصبحت مركز الحضارة الإسلامية في المغرب.

ففي هذا الأفق العلمي الزكي نشأ وترعرع رحمه الله تعالى،وتفقه على كثير من الشيوخ.

لم يغادر العلامة أبو عمر بلاد الأندلس،ولكنه تنقل في أرجائها شرقًا وغربًا.

فرحل عن وطنه قرطبة أيام الفتنة العظمى بها،فجال في غربي الأندلس،ثم تحول إلى شرقيها كذلك فتردد فيه ما بين دانية وبلنسية وشاطبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت