وقال الخطيب:"إِذَا عَدَّلَ جَمَاعَةٌ رَجُلًا وَجَرَحَهُ أَقَلُّ عَدَدًا مِنَ الْمُعَدِّلِينَ , فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْجَرْحِ وَالْعَمَلَ بِهِ أَوْلَى , وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلِ الْحُكْمُ لِلْعَدَالَةِ , وَهَذَا خَطَأٌ , لِأَجَلِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْجَارِحِينَ يُصَدِّقُونَ الْمُعَدِّلِينَ فِي الْعِلْمِ بِالظَّاهِرِ , وَيَقُولُونَ: عِنْدَنَا زِيَادَةُ عِلْمٍ لَمْ تَعْلَمُوهُ مِنْ بَاطِنِ أَمْرِهِ , وَقَدِ اعْتَلَّتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ بِأَنَّ كَثْرَةَ الْمُعَدِّلِينَ تُقَوِّي حَالَهُمْ , وَتُوجِبُ الْعَمَلَ بِخَبَرِهِمْ , وَقِلَّةُ الْجَارِحِينَ تُضَعِّفُ خَبَرَهُمْ , وَهَذَا بُعْدٌ مِمَّنْ تَوَهَّمَهُ , لِأَنَّ الْمُعَدِّلِينَ وَإِنْ كَثُرُوا لَيْسُوا يُخْبِرُونَ عَنْ عَدَمِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْجَارِحُونَ , وَلَوْ أُخْبِرُوا بِذَلِكَ وَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ , لَخَرَجُوا بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ تَعْدِيلٍ أَوْ جَرْحٍ , لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بَاطِلَةٌ عَلَى نَفْيِ مَا يَصِحُّ , وَيَجُوزُ وُقُوعُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوهُ , فَثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ ."
وقيل: يُرجَّح بالأحفظ, حكاهُ البَلْقيني في «محاسن الاصطلاح» [1] .
وقيل: يتعارضان فلا يترجَّح أحدهما إلاَّ بمُرجِّح, حكاهُ ابن الحاجب وغيره, عن ابن شعبان من المالكية.
قال العِرَاقيُّ [2] : وكلامُ الخطيبِ يقتضي نفي هذا القولِ الثالثِ.فإنّهُ قالَ: اتّفقَ أهلُ العلمِ على أنَّ مَنْ جَرَّحَهُ الواحدُ والاثنانِ،وعَدَّلَهُ مثلُ عددِ مَنْ جَرَّحَهُ،فإنَّ الجرحَ به أولى. ففي هذهِ الصورةِ حكايةُ الإجماعِ على تقديمِ الجرحِ،خلافَ ما حكاهُ ابنُ الحاجبِ . [3] .
ــــــــــــــ
"إذا قال: حدَّثني الثِّقة, أو نحوه من غير أن يُسميه لم يُكتف به في التَّعديل على الصَّحيح حتَّى يُسمية, لأنَّه وإن كان ثقة عنده, فرُبَّما لو سمَّاه, لكان مِمَّن جرحهُ غيره بجرح قادح, بل إضرابه عن تَسْميته, ريبة توقع تردُّدًا في القلب."
(1) - ص 224
(2) - التصبرة ص 313 و شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 111) الشاملة 2
(3) - انظر تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 241) .