وقال الخطيب في الكفاية:"بَابُ الْقَوْلِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ إِذَا اجْتَمَعَا , أَيُّهُمَا أَوْلَى اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ جَرَحَهُ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ , وَعَدَّ لَهُ مِثْلُ عَدَدِ مَنْ جَرَحَهُ , فَإِنَّ الْجَرْحَ بِهِ أَوْلَى , وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْجَارِحَ يُخْبِرُ عَنْ أَمْرٍ بَاطِنٍ قَدْ عَلِمَهُ , وَيُصَدِّقُ الْمُعَدِّلَ وَيَقُولُ لَهُ: قَدْ عَلِمْتُ مِنْ حَالِهِ الظَّاهِرَةِ مَا عَلِمْتَهَا , وَتَفَرَّدْتُ بِعِلْمٍ لَمْ تَعْلَمْهُ مِنَ اخْتِبَارِ أَمْرِهِ , وَأَخْبَارُ الْمُعَدِّلِ عَنِ الْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ لَا يَنْفِي صِدْقَ قَوْلِ الْجَارِحِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ , فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْجَرْحُ أَوْلَى مِنَ التَّعْدِيلِ .اهـ"
وقَالَ الْخَطِيبُ:"وَلِأَنَّ مَنْ عَمِلَ بِقَوْلِ الْجَارِحِ لَمْ يَتَّهِمِ الْمُزَكِّي وَلَمْ يُخْرِجْهُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ عَدْلًا , وَمَتَى لَمْ نَعْمَلْ بِقَوْلِ الْجَارِحِ كَانَ فِي ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لَهُ , وَنَقْضٌ لِعَدَالَتِهِ , وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ حَالَهُ فِي الْأَمَانَةِ مُخَالِفَةٌ لِذَلِكَ , وَلِأَجْلِ هَذَا وَجَبَ إِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ , وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ آخَرَانِ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْهُ , أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ بِقَضَاءِ الْحَقِّ أَوْلَى , لِأَنَّ شَاهِدَيِ الْقَضَاءِ يُصَدِّقَانِ الْآخَرَيْنِ , وَيَقُولَانِ: عَلِمْنَا خُرُوجَهُ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ , وَأَنْتُمَا لَمْ تَعْلَمَا ذَلِكَ , وَلَوْ قَالَ شَاهِدَا ثُبُوتِ الْحَقِّ: نَشْهَدُ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْحَقِّ , لَكَانَتْ شَهَادَةً بَاطِلَةً ." [1] .
وقيَّد الفُقهاء ذلك بما إذَا لم يقل المُعدِّل عرفت السَّبب الَّذي ذكرهُ الجارح, ولكنَّه تابَ وحَسُنت حاله, فإنَّه حينئذ يُقدم المُعدِّل, قاله البَلْقيني [2] ,
وقيَّده ابن دقيق العِيد بأن يبنى على أمر مجزوم به, لا بطريق اجتهادي, كمَا اصْطَلح عليه أهل الحديث في الاعْتِماد في الجَرْح على اعتبار حديث الرَّاوي بحديث غيره, والنَّظر إلى كَثْرة المُوَافقة والمُخَالفة.
وردَّ بأنَّ أهل الحديث لم يعتمدوا ذلك في معرفة العدالة والجرح, بل في معرفة الضَّبط والنقل, واستثنى أيضًا ما إذا عيَّن سببًا, فنفاهُ المُعدِّل بطريق مُعتبر, كأن قال: قُتل غُلامًا ظُلمًا يوم كذا, فقال المُعدِّل: رأيتهُ حيًّا بعد ذلك, أو كان القاتل في ذلك الوقت عندي, فإنَّهما, يتعارضان, وتقييد الجَرْح بكونهِ مُفسرًا جار على ما صحَّحه المُصنِّف وغيره, كما صرَّح به ابن دقيق العِيد وغيره. [3]
(1) - الكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 105)
(2) - محاسن الاطلاع ص 224
(3) - في الاقتراح ص 330 -331