وقيل: إنْ كانَ ذلكَ العَدْلُ الذي روي عنه لا يَروي إلا عن عدلٍ كانت روايتُهُ تعديلًا،وإلاّ فلا . وهذا هو المختارُ عن الأصوليينَ،كالسيفِ الآمديِّ،وأبي عمرِو بنِ الحاجبِ،وغيرِهما . أما إذا رَوَى عَنْهُ من غيرِ تصريحٍ باسمِهِ،فإنهُ لا يكونُ تعديلًا،بَلْ وَلَوْ عدلهُ عَلَى الإبهامِ لَمْ يكتفِ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .. [1]
ب) وَعَمَلُ الْعَالِمِ وَفُتْيَاهُ عَلَى وَفْقِ حَدِيثٍ رَوَاهُ لَيْسَ حُكْمًا مِنْهُ بِصِحَّتِهِ،وَلَا بِتَعْدِيلِ رِوَايَةٍ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ احْتِيَاطًا أَوْ لِدَلِيلٍ آخَرَ وَافَقَ ذَلِكَ الْخَبَرَ وَصَحَّحَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ حُكْمٌ بِذَلِكَ،وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَسَالِكِ الِاحْتِيَاطِ وَفَرَّقَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بَيْنَ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ،وَلَا مُخَالَفَتِهِ لَهُ قَدْحًا مِنْهُ فِي صِحَّتِهِ،وَلَا فِي رِوَايَتِهِ ،وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ الْخِيَارِ،وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ لِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِخِلَافِهِ،وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَدْحًا فِي نَافِعٍ رِوَايَةً، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ [2] فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ نَظَرٌ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَابِ غَيْرُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَتَعَرَّضَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ فِي فُتْيَاهُ أَوْ حُكْمِهِ أَوْ اسْتَشْهَدَ بِهِ عِنْدَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ الْبَابِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ دَلِيلٌ آخَرُ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ إجْمَاعٍ،وَلَا يَلْزَمُ الْمُفْتِي أَوْ الْحَاكِمُ أَنْ يَذْكُرَ جَمِيعَ أَدِلَّتِهِ بَلْ،وَلَا بَعْضَهَا وَلَعَلَّ لَهُ دَلِيلًا آخَرَ وَاسْتَأْنَسَ بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الْبَابِ رُبَّمَا كَانَ يَرَى الْعَمَلَ بِالضَّعِيفِ وَتَقْدِيمَهُ عَلَى الْقِيَاسِ .. [3]
ومِمَّا لا يدل على صِحَّة الحديث أيضًا, كما ذكرهُ أهل الأصُول, مُوَافقة الإجْمَاع له على الأصح, لجَوَاز أن يَكُون المُسْتند غيره, وقيل: يَدُلُّ, وكذلك بقاء خبر تتوفَّر الدَّواعي على إبْطَاله.
وقال الزيدية: يدلُّ, وافتراق العُلماء بين متأول للحديث ومحتج به.
قال ابن السَّمعاني وقوم: يدلُّ, لتضمنه تلقيهم له بالقَبُول. [4]
وأُجيب باحتمال أنَّه تأوَّله على تقدير صِحَّته فرضًا, لا على ثُبوتها عندهُ.
ــــــــــــــ
تُقبل رِوَاية التائب من الفِسْق ومن الكذب في غير الحديث النَّبوي كَشَهادته, للآيات والأحاديث الدَّالة على ذلك إلاَّ الكذب في أحاديث رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا تُقبل رواية منه أبدًا, وإن حَسُنت طريقته, كذا قاله أحمد بن حنبل, وأبو بكر الحُميدي شيخ البُخَاري, وأبو بكر الصَّيرفي الشَّافعي.
بل قال الصَّيرفي زيادة على ذلك في «شرح الرِّسالة» : كُل من أسْقطنَا خبرهُ من أهل النَّقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله, بتوبة تَظْهر ومن ضعَّفناهُ لم نُقوِّه بعدهُ بخلاف الشَّهادة.
ــــــــــــــ
(1) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 113)
(2) - اختصار علوم الحديث ص 81
(3) - حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 4 / ص 327)
(4) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 247)
(5) - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 7) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 260)