أيضًا مراتب الثقات تتفاوت،فمثلًا نحن قلنا في االمثال السابق: إن عندنا إسماعيل بن مسعود ثقة،وخالد بن الحارث ثقة،فهل بينهما تفاوت كما رأينا؟ نعم،خالد بن الحارث قال فيه أحمد ويحيى بن سعيد القطان: إليه المنتهى في التثبت في البصرة،يعني حديثه مقبول في الدرجة العليا من القبول،وإسماعيل بن مسعود الجحدري أيضًا حديثه مقبول،ومع ذلك الاثنين ثقات لكن بين خالد بن الحارث وبين إسماعيل بن مسعود أيضًا تفاوت في درجة التوثق.
فباب العلل هذا بحرٌ متلاطم الأمواجِ لا يدخل فيه إلا من انتهى من دراسة القواعد النظرية،فكتب المصطلح لا غنى أبدًا عن أن الإنسان يدرس كتب المتأخرين كالنخبة وشروحها،ومقدمة ابن الصلاح وشروحها،والنكت عليها ونظمها وشروح النظم،هذه جهود علماء ما ينبغي أن تهدر ولا يلتفت إلى من يقول: إن هذه الكتب طوَّلت الطريق على الدارسين،نعم ليست هي الغاية في الدرس الحديثي،لكن لا بد منها في التأصيل والتأسيس لبناء طالب علم،فإذا انتهى من هذه الدرجة -درجة البناء- فليدخل على التطبيق،يدخل على التطبيق يهتدي بكلام الأئمة،أئمة العلل،فيدرس وينظر في كتب العلل التي للأقدمين وينظر في الدراسات النقدية التي للمعاصرين،مع نوع من الاحتياط ونوع من عدم التعصب،فعندنا بفضل الله -تعالى- في الأمة ولله الحمد قدرٌ من العلماء وطلبة العلم والمشايخ الذين لهم عناية بعلم العلل في العالم الإسلامي،مع نوع من التحفظ في بعض الكتب التي صدرت فيها لهجة قوية قاسية على كتابات المتأخرين،فكما قلت إن كلام المتأخرين كلام لا يستغنى عنه في بناء الطالب من الناحية النظرية،فإذا انتهى الطالب من هذه المرحلة لا يقفُ عندها،يجب أن يرجع وأن ينظر في مناهج أئمة العلم في العلل،وينظر في كتابات المعاصرين التي تعتبر كالكشاف إلى هدايته إلى معرفة أنفاس المتقدمين في النظر لعلم الحديث،هذه هي الطريقة التي يمكن أن يرتقي بها الطالب في دراسته لهذا العلم الشريف.
"هناك كتب صنفها العلماء لبيان علل الحديث،وتعرف هذه الكتب بكتب العلل،وطريقة كتب العلل هي ذكر الأحاديث المعلولة مع بيان عللها،وذلك بذكر طرقها وكشف العلة من خلال جمع الطرق واستعراضها".
(جمع الطرق واستعراضها) كلمة من ثلاثة أسطر،أما ما وراءها من جهد،فهذا أمر تبذل فيه الأوقات والمهج والأرواح؛ لأن هذا أمر ليس بالسهل، (جمع الطرق) يعني لن تترك الحديث في كتاب من كتب السنَّة إلا وأسانيده أمامك،هذا الحديث منثور في عشرات الكتب،منثور في الأجزاء الحديثية،في كتب التفاسير والتواريخ وغيرها،في كتب التراجم كتب السؤالات كتب العلل،تستخرج هذا كله وتضعه أمامك على الطاولة لتنظر في مسألة كشف العلة.
"وذلك مثل كتاب"علل الحديث"لابن أبي حاتم،وهو مرتب على الأبواب،وكتاب"العلل"للدارقطني،وهو مرتب على المسانيد".
من العجب العجاب الذي لا ينقضي عجبك وأنت تسمع،أن الدارقطني -رحمه الله تعالى- لم يؤلف كتاب"العلل"ما ألفه،إنما أملاه على طلابه،كان تلامذة الدارقطني يسألون وهو يجيب،سبحان الله العظيم،إذا فتحت أي مسند من مسانيد الصحابة ترى كلام الدارقطني الحد الأدنى من الطرق التي يوردها في الحديث الواحد ثمانية طرق،من حفظه لا تضطرب عليه الأسانيد ولا يذكر راوي مكان راوي،ولا يختلف عليه الأمر،ولا يتشابه عليه المسائل،وإضافة إلى ذلك كلامه على الطرق،أن هذا ورد مرسلا،وهذا ورد متصلا،وهذا ورد موقوفا،وهذا ورد مرفوعا،والراجح كذا،وترجيحه كذا... هذا الكلام يدلُّ على إمامةٍ عاليةٍ ما جاء بعد الدارقطني في هذا الباب مثله،يعني أغلق هذا الباب على من جاء بعده.