"وقد يَنهَج بعض المؤلفين في العلل نهجًا آخر،فتراه يذكر أن فلانًا لم يسمع من فلان،أو أن حديث فلان عن فلان منقطع؛ لأنه لم يلقه،وذلك كالإمام أحمد في كتابه"العلل ومعرفة الرجال"فهذه الكتب يمكن الاستعانة بها في كشف علل الحديث،لكن هل صنف العلماء كتبًا خاصة في معرفة الأحاديث الشاذة؟ والجواب عن ذلك: أن العلماء لم يصنفوا مثل هذه المؤلفات،والله أعلم".
والشذوذ معناه أن الراوي ثقة وقد خالف من هو أوثق منه،فالثقة إذا خالف الثقات.. يعني مثلًا كقول الإمام مالك (629) حَدَّثَنِى يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ. [1]
قال ابن الملقن [2] :"الحَدِيث الأول =عَن عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما،قَالَ: « فرض رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - زَكَاة الْفطر من رَمَضَان عَلَى النَّاس صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير،عَلَى كل حر أَو عبدٍ،ذكرٍ أَو أُنْثَى،من الْمُسلمين» ."
هَذَا الحَدِيث صَحِيح،وَله طرق عَن ابْن عمر .
أَولهَا: من طَرِيق عمر ابْن نَافِع،عَن أَبِيه عَنهُ،قَالَ: «فرض رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - زَكَاة الْفطر صَاعا من تمر،أَو صَاعا من شعير،عَلَى العَبْد وَالْحر،وَالذكر وَالْأُنْثَى،وَالصَّغِير وَالْكَبِير من الْمُسلمين،و (أَمر بهَا) أَن (تُؤَدَّى) قبل خُرُوج النَّاس إِلَى الصَّلَاة» .رَوَاهُ البُخَارِيّ من هَذَا الْوَجْه .
ثَانِيهَا: من طَرِيق الضَّحَّاك بن عُثْمَان،عَن نَافِع،عَنهُ «أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زَكَاة الْفطر من رَمَضَان،عَلَى كل نَفْس من الْمُسلمين،حر أَو عبد، (رجل) أَو امْرَأَة،صَغِير أَو كَبِير،صَاعا من (تمر) أَو صَاعا من شعير» .رَوَاهُ مُسلم من هَذَا الْوَجْه،وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» (من هَذَا الْوَجْه) بِلَفْظ: « (فرض) زَكَاة الْفطر من رَمَضَان،عَلَى (كل) نَفْس من الْمُسلمين» وَالثَّانِي بِلَفْظ مُسلم،وَترْجم عَلَيْهِ: ذكر الْبَيَان بِأَن هَذِه اللَّفْظَة «من الْمُسلمين» لم يكن مَالك بالمتفرد بهَا .
ثَالِثهَا: من طَرِيق [ عبيد الله ] ،عَن نَافِع،عَنهُ: «فرض رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - (صَدَقَة الْفطر) صَاعا من شعير،أَو صَاعا من تمر،عَلَى كل عبد أَو حر،صَغِير أَو كَبِير» .رَوَاهُ مُسلم كَذَلِك،وَالْبُخَارِيّ وَلَفظه: «عَلَى الصَّغِير وَالْكَبِير،وَالْحر والمملوك» بدل: « (عَلَى) كل عبد ...» إِلَى آخِره . وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ: «وَالذكر وَالْأُنْثَى» .
وَرَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن نَافِع،عَنهُ: «أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زَكَاة الْفطر عَلَى النَّاس من رَمَضَان صَاعا من تمر،أَو صَاعا من شعير،عَلَى كل حر (أَو) عبد،ذكر أَو أُنْثَى من الْمُسلمين» .
وَفِي رِوَايَة لَهُ خَارج «الْمُوَطَّأ» زِيَادَة: «عَلَى الصَّغِير وَالْكَبِير» ذكرهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي «غرائب مَالك» ،وَقَالَ: رَوَاهُ (عَنهُ فقيهان) أَحدهمَا: ابْن (قُتَيْبَة) ،وَالثَّانِي: إِسْحَاق بن عِيسَى الطباع .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ،من حَدِيث قُتَيْبَة عَنهُ،وَسقط فِيهَا قَوْله: «من الْمُسلمين» .
وَاعْلَم أَن هَذِه اللَّفْظَة - أَعنِي (قَوْله) «من الْمُسلمين» - اشتهرت من رِوَايَة مَالك،حَتَّى قيل: إِنَّه تفرد بهَا .
(1) - أخرجه الجماعة من طريق مالك بهذا اللفظ وعن غير مالك انظر طرقهم إليه في المسند الجامع - (ج 10 / ص 403) 7488
(2) - البدر المنير - (ج 5 / ص 614) فما بعدها