إن الأمور قديما كان لها اعتبارٌ قويٌّ جدًا،ومسألة اهتمامات الأمة فيها عالية،فتجد العلماء الذين هم أمراء المؤمنين في الحديث هؤلاء الكبار الطبقة التي فيها أحمد وابن معين وابن مهدي وهؤلاء لا يكاد يمرُّ حديث من كلام المصطفى - صلى الله عليه وسلم - إلا ولهم عليه كلام،إما بالتصريح وإما بالإشارة؛ لأن ألغازا كثيرة في كلامهم،كانوا يفهمونها.
البخاري -رحمه الله تعالى- من أكثر أئمة العلم يذكر ألغازا في التعليل،يقول: حديث فلان عن فلان مرسل،هذه علة،وهذه طريقته كتاب عشر مجلدات يعلل بهذه الطريقة،فإذا وصل الواحد إلى مرتبة أمير المؤمنين في الحديث،معناه أنه لا يوجد في السنَّة حديث ولا راوٍ في الغالب إلا وله به دراية وله به علم.
وقال في مقدمة كتابه:"هذه تذكرة بأسماء معدلي حملة العلم النبوي ومن يرجع إلى اجتهادهم في التوثيق والتضعيف،والتصحيح والتزييف،وبالله أعتصم وعليه أعتمد وإليه أنيب".
وقال في آخره:"وإلى هنا انتهى بنا كتاب التذكرة،ولعل فيمن لم نوردهم غفلة أو نسيانا من هو في رتبة المذكورين علما وحفظا،وقد كنت ألفت معجما لي يختصُّ بمن طلب هذا الشأن من شيوخي ورفاقي فاستوعبت من له أدنَى عمل وبينت أحوالهم."
وقد ذكر في هذا الكتاب مشاهير حملة السنَّة وأصحاب الاجتهاد في الجرح والتعديل من طبقة الصحابة إلى طبقة شيوخه،وقسمهم إلى إحدى وعشرين طبقة،وبلغ عدد التراجم في هذا الكتاب ست وسبعين ومائة وألف ترجمة، وهذا الكتاب مفيد جدًا في معرفة مشاهير حملة السنَّة في كل طبقة من عصر الصحابة إلى عصر الذهبي؛ أي: إلى منتصف القرن الثامن،وقد ذَيَّل على هذا الكتاب تتميمًا للفائدة ثلاثة من العلماء الكبار وهم: الحسيني المتوفى سنة خمس وستين وسبعمائة للهجرة،وابن فهد المكي المتوفى سنة واحد وسبعين وثمانمائة للهجرة،وجلال الدين السيوطي المتوفى سنة أحد عشر وتسعمائة للهجرة،فَجُمِعَ في هذا الكتاب مع ذيوله الثلاثة تراجم مشاهير حملة السنَّة وحفاظها من القرن الأول إلى أوائل القرن العاشر .
فالذهبي ليس مجرد حافظ أو راوية،وإنما الذهبي -رحمه الله تعالى- كلامه نقش في حجر،ويفصِّلُ في قضايا كثيرة،وله أسلوبه البديع في التعليق على حملة السنَّة ترى هذا واضحًا في سائر كتبه .
ـــــــــــــــ
وقد قسَّمه إلى طبقات تبدأ بكُبَرَاءُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم يعني بقية العشرة المبشرين بالجنة،وأفرد الخلفاء الراشدين بكتاب خاص .ثم السَّابِقُوْنَ الأَوَّلُوْنَ،ثم شُهَدَاءُ بِئْرِ مَعُوْنَةَ،ثم أَعْيَانُ البَدْرِيِّيْنَ،ثم مِنْ شُهَدَاءِ اليَمَامَةِ،ثم شُهَدَاءُ أَجْنَادِيْنَ وَاليَرْمُوْكِ،ثم زَوْجَاتُهُ - صلى الله عليه وسلم - ،ثم بقية الصحابيات،فِي بَقِيَّةِ كُبَرَاءِ الصَّحَابَةِ،ثم مشاهير التابعين،ثم مشاهير أتباع التابعين،فما بعدهم،من العلماء والفقهاء والمحدثين،والأمراء والشعراء والزهاد،الوقواد وغيرهم،وانتهى حوالي سنة (660) هجرية .
وهذا الكتاب من أعظم كتب الإمام الذهبي - رحمه الله - فقد ملأه بالفوائد النادرة،والتي ينبغي جمعها،وفصلها في كتاب مستقلٍّ .
وهو يذكر عادة اسم الشخص ولقبه وسنة ولادته،وعمن روى،ومن روى عنه،وأين رحل،وأهم يما يتميز به،ثم يذكر حديثًا أو أكثر من طريقه مسندا،ثم يذكر ماله وما عليه من جرح وتعديل وصفات وأخلاق،ثم يذكر متى توفِّي .
والكتاب طبع طبعة جيدة بمؤسسة الرسالة،وبإشراف أستاذنا الشيخ شعيب الأرناؤوط حفظه الله .
وأول ترجمة في الكتاب هي 1 - أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ عَامِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ (م،ق) .