أما النوع الثاني: وهو من حدَّث بالشيء الذي أخطأ فيه،وهو لا يعلم ثم تبين وعلم فلم يرجع عنه،وتمادى في روايته لذلك الخطإ،بعد علمه،فهذا قد علم فعلًا أنه أخطأ وتيقن من ذلك،فتماديه في رواية ما يعلم هو أنه خطأ يكون كذبًا متعمَّدًا،لأنه يخبر بخلاف الواقع،وهو يعلم أنه كذب،ومثل هذا كذبٌ صريحٌ،والله أعلم . [1]
ـــــــــــ
إذا رَوَى ثقة عن ثقة حديثا, ثمَّ نفاه المسمع لمَّا رُوجع فيه،فالمُخْتار عند المُتأخِّرين أنَّه إن كان جَازمًا بنفيه, بأن قال: ما رويته أو كذب عليَّ ونحوه, وجب ردُّه لتعارض قولهما, مع أنَّ الجاحد هو الأصل،ولكن لا يقدح ذلك في باقي روايات الرَّاوي عنه ولا يثبت به جرحه, لأنَّه أيضًا مُكذِّبٌ لشيخه في نفيه لذلك, وليس قَبُول جرح كلٍّ منهما أولى من الآخر فتساقطا, فإن عاد الأصْل وحدَّث به, أو حدَّث فرع آخر ثقة عنه, ولم يُكذبه فهو مقبول. صرَّح به القاضي أبو بكر والخطيب وغيرهما [3]
قلت: لكن ينبغي أن يتنبه هنا إلى أمرٍ هام ،وهو أن هذا الحكم إنما يكون إذا كان كلٌّ من الشيخ والراوي عنه ثقة ،أما إذا كان أحدهما ضعيفًا ،فلا تقبل دعواه ،ويقدم قول الثقة .
فمثال ضعف الشيخ: قال الحاكم في معرفة علوم الحديث (367 ) حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: ثنا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَطَاءٍ , عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"مَنْ مَاتَ مَرِيضًا ،مَاتَ شَهِيدًا ،وَوُقِيَ فَتَّانَ الْقَبْرِ ،وَغُدِيَ ،وَرِيحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ"قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِبْرَاهِيمُ هَذَا هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى الْأَسْلَمِيُّ سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ الدُّورِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ:"حَدِيثُ:"مَنْ مَاتَ مَرِيضًا ،مَاتَ شَهِيدًا"،كَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ فِيهِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَطَاءٍ وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى"
وروى ابن الجوزي في الموضوعات (1739) بإسناده إلى ابن أبي سكينة الحلبي ،قال: سمعت إبراهيم بن أبي يحيى يقول: حدَّثتُ ابن جريج بهذا الحديث: ( من مات مرابطا) فروى عني (من مات مريضا) وما هكذا حدثته .
قال ابن الجوزي:ابن جريج هو الصادق ،وذلك لأن ابن أبي يحيى الأسلمي ضعيف ،وابن جريج ثقة .
ومثال ضعف الراوي: عن شعبة قال روى الحسن بن عمارة عن الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي سبعة أحاديث فلقيت الحكم فسألته عنها فقال ما حدثت بشيء منها.
والحسن بن عمارة ضعيف ،بل متروك ،والحكم بن عتيبة ثقة حافظ .
وهذه القصة تدلُّ على سوء حفظ الحسن بن عمارة ،لأنه روى عن الحكم أحاديث لا أصل لها عنه ،ولذا لما سئل الحكم عنها قال: ما سمعت بهذا شيئاَ .
(1) - انظر المجروحين لابن حبان 1/78-79 ،وهامش التدريب 1/570 -571 و سير أعلام النبلاء (12/319) وميزان الاعتدال - (ج 1 / ص 114)
(2) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 22) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 330) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 144) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 37)
(3) - البرهان في أصول الفقه - الرقمية - (ج 1 / ص 250) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 264) "التدريب هامش 1/561-562"