فإن قيل: قد روى الخطيب في الكفاية (280 ) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ ،ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الْحَافِظُ ،ثنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ ،ثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ , قَالَ: سَأَلْتُ أَيُّوبَ بْنَ سُوَيْدٍ عَنِ الَّذِي كَانَ شُعْبَةُ يَطْعَنُ بِهِ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ فَقَالَ لِي:"كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ لَمْ يُحَدِّثْ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ , وَالْحَسَنُ يُحَدِّثُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ يَحْيَى أَحَادِيثَ كَثِيرَةً , قَالَ: فَقُلْتُ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ فَقَالَ: إِنَّ الْحَكَمَ أَعْطَانِي حَدِيثَهُ عَنْ يَحْيَى فِي كِتَابٍ لِأَحْفَظَهُ فَحَفِظْتُهُ" [1]
فإن قيل: أليس هذا كافيًا في تبرئة الحسن بن عمارة ،إذ أنه صرح بأنه حفظ عن الحكم ما لم يحفظه غيره ؟!
قلت: كلا ،لأمور:
الأول: أنه رجل سيئ الحفظ ،فمهما ادعى من شيء فلن يسمع له .
الثاني: أنه لم يحدث بها من الكتاب ،بل من حفظه كما يفهم من كلامه ،وقد مرَّ أنه سيئ الحفظ ،فلا يؤمن عليه أن يخطئ فيدخل حديثا في حديث ،أو يقلب بعض الأسانيد عن غير قصد .
الثالث: أن الحكم بن عتيبة لما سئل عن هذه الأحاديث أنكرها ،وهو ثقة حجَّةٌ ،فلا يردُّ قوله لقول الحسن بن عمارة الضعيف .
الرابع: أن هذه الأحاديث التي تفرد بها عن الحكم يحيى بن الجزار ،وجدها الأئمة أحاديث منكرة غير مستقيمة ،وهذا أكبر دليل على أن الحكم لم يحدث بها ،لأن الأحاديث المناكير لا تأتي إلا من الرجال المناكير كالحسن بن عمارة وأمثاله""
ومُقَابل المُختار في الأوَّل عدم رد المَرْوي.
واختارهُ السَّمعاني, وعزاهُ الشَّاشي للشَّافعي, وحكى الهِنْدي الإجْمَاع عليه.
وجزمَ المَاوردي والرُّوياني بأنَّ ذلك لا يقدح في صِحَّة الحديث, إلاَّ أنَّه لا يَجُوز للفرع أن يرويه عن الأصْل, فحصلَ ثلاثة أقْوَال.
وثَمَّ قولٌ رابع: أنَّهما يتعارضَان, ويُرجَّح أحدهما بطريقه, وصار إليه إمام الحرمين.
ومن شواهد القبول ما رواهُ الشَّافعي في المسند ( 175 ) أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ،عَنْ عَمْرٍو،عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ،عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:"كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالتَّكْبِيرِ". قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: ثُمَّ ذَكَرْتُهُ لِأَبِي مَعْبَدٍ بَعْدُ،فَقَالَ: لَمْ أُحَدِّثْكَهُ . قَالَ عُمَرُ: وَقَدْ حَدَّثَنِيهِ قَالَ: وَكَانَ مِنْ أَصْدَقِ مَوَالِي ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَأَنَّهُ نَسِيَهُ بَعْدَمَا حَدَّثَهُ إِيَّاهُ .
(1) - التدريب هامش 1/561-562