فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 701

قَالَ شُعْبَةُ [1] :"لَا يَجِيئُكَ الْحَدِيثُ الشَّاذُّ إِلَّا مِنَ الرَّجُلِ الشَّاذِّ".

وقال نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَهْدِيٍّ , يَذْكُرُ عَنْ شُعْبَةَ , قِيلَ لَهُ مَنِ الَّذِي يُتْرَكُ حَدِيثُهُ ؟ قَالَ:"الَّذِي إِذَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ مَا لَا يَعْرِفُهُ الْمَعْرُوفُونَ فَأَكْثَرَ , طُرِحَ حَدِيثُهُ" [2] .

وكذلك رَدُّوا روايةَ مَنْ عُرِفَ بكثرةِ السَّهوِ في رواياتِهِ إذا لم يحدِّثْ من أصلٍ صحيحٍ .

قال عبد الله بن المُبَارك, وأحمد بن حنبل, والحُميدي, وغيرهم: من غلطَ في حديث, فبُيِّن له غلطه فأصرَّ على روايته لذلك الحديث ولم يرجع سَقَطت رواياته كلها ولم يُكتب عنه .

قال ابن الصَّلاح [3] : وفي هذا نظرٌ،وهو غيرُ مستنْكَرٍ،إذا ظهرَ أنَّ ذلك منه على جِهَةِ العِنَادِ،أو نحوِ ذلكَ .

قال ابن مهدي لشعبة [4] : من الَّذي تُترك الرِّوَاية عنه؟ قال: إذا تَمَادى في غَلطٍ مُجْمع عليه, ولم يتَّهم نفسهُ عندَ اجْتماعهم على خِلافه.

قال العِرَاقي [5] : وقيَّد ذلكَ بعض المُتأخِّرين بأن يَكُون المُبيِّن عَالمًا عند المُبيَّن له, وإلاَّ فلا حرج إذَنْ.

قلتُ:"المصرُّ على الخطإِ نوعان:"

نوع أول: وهو من غلط في رواية حديثٍ ما،وبين له عالم مجتهد من أئمة الحديث غلطه في هذا الحديث،ثم لم يرجع،وأصرَّ على روايته لذلك الحديث،آنفًا من الرجوع عمَّا خرج منه،وإن كان شيئًا يسيرًا،فقد وجب جرحه بهذا،وتركُ حديثهِ لتعدِّيه ما ليس له .

نوع ٌآخر: وهو من حدّثَ بالشيء الذي أخطأ فيه،وهو لا يعلم أنه خطأ،ثم تبين له وعلِمَ فلم يرجع عنه،وتمادى في روايته بعد علمه أنه أخطأ فيه في أول الأمر،وهذا يكون بذلك كذابًّا،أو في حكم الكذاب،لروايته ما يعلم هو أنه خطأٌ.

والفرق بين الرجلين: أن الأول ليس متيقنًا أنه أخطأ،لأنه يرى الحديث في كتابه مثلًا،ولا يتصور هو أنه أدخل عليه وهو لا يعلم،فكان جانب التوقُّفِ في تصحيح المصحح عنده قويًّا،غير أنه يدخل في جملة المتروكين،لتعديه ما ليس له،لأنه ليس من أهل هذا الشأن الذين يميزون الصواب من الخطإ،وواجب عليه أن يخضع لأهل العلم بهذا الشأن إذا بينوا له خطأه،وعدم خضوعه لهم يوجب ترك حديثه .

وفي الكفاية (1128) أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ،أنا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ الضَّبِّيُّ،قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ الْحَافِظَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ"وَقِيلَ لَهُ: لِمَ رَوَيْتَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ وَتَرَكْتَ سُفْيَانَ بْنَ وَكِيعٍ ؟ فَقَالَ:"لِأَنَّ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمَّا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ رَجَعَ عَنْهَا عَنْ آخِرِهَا إِلَّا حَدِيثَ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ إِذَا احْضِرَ الْعِشَاءُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي دَرْحٍ مِنْ كُتُبِ عَمِّهِ فِي قِرْطَاسٍ،وَأَمَّا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ فَإِنَّ وَرَّاقَهُ أَدْخَلَ عَلَيْهِ أَحَادِيثَ فَرَوَاهَا وَكَلَّمْنَاهُ فِيهَا فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهَا فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ وَتَرَكْتُ الرِّوَايَةَ عَنْهُ""

وذلك،لأنه أصرَّ على روايتها آنفًا من الرجوع عنها،بعدما بيَّن له أهل العلم أنه أخطأ فيها،فهذا هو حال الراوي الأول،أو النوع الأول من المصرِّين على الخطإ.

(1) - الكفاية ( 385 )

(2) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 346) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 264) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 119) وتوضيح الأفكار - (ج 2 / ص 258) و الكفاية (391)

(3) - علوم الحديث ص 155

(4) - المجروحين 1/79

(5) - في التقييد ص 157

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت