فهرس الكتاب

الصفحة 668 من 701

والعلماء لهم كلام في مسألة الحكم على الظاهر،يعني إن الحكم على الأسانيد من ظاهرها هذا خطأ،يعني كون الراوي ثقة والذي بعده ثقة،والذي بعده ثقة،والذي بعده ثقة،والذي بعده الصحابي يبقى الحديث صحيح؟ هذا الكلام ببادئ النظر؛ لأنه قد يكون الثقة يروي عن ثقة وفي الحديث علة،أن الراوي سمع من شيخه بعد الاختلاط،أنه لم يسمع منه هذا الحديث بعينه،أنه لما سمع هذا الحديث منه ضاعت أوراقه فحدث من حفظه فحصل الوهم في حديثه،هذه مسائل لها اعتبارات وقرائن،وكل حديث له قصة وحده،فليست هناك قاعدة مضطردة مثل القواعد الرياضية للحكم بها على علل الأحاديث،وإنما الحديث تجمع طرقه وتظل تتأمل فيها وتقارن وتنظر في المدار ومواطن الاتفاق،ومواطن الالتقاء،ومواطن الاختلاف حتى يهديك الله -عز وجل- إلى معرفة مواطن العلة بعد استفراغ الجهد والنظر في كلام أهل العلم.

فالذي درس قواعد المصطلح بشكل جيد وهضمها،وتعرف على كيفية استخراج الأحاديث من بطون الكتب،واستخراج الكلام على الرجال يحتاج إلى ذلك أن يكون عنده نظر في كتب النقد الحديثي،سواء للقدامى كما في علل ابن أبي حاتم وعلل الدارقطني وهي مليئة بأحاديث ظاهرها الصحة جدًّا ويتكلم على تعليلها ويبين أن فيها عللًا سواء الاختلاف في الوصل والإرسال،اختلاف في الوقف والرفع،ونحو ذلك من مواطن العلة،فيقرأ الطالب،يبدأ يقرأ في علل ابن أبي حاتم مثلًا أو في علل الدارقطني أو غيرها من الكتب بعد قراءة الجانب النظري في العلل،وأرشح لذلك أميز كتاب في الأمة وهو كتاب"شرح علل الترمذي"للحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-فقد أتى بدررٍ غوالي في هذا الكتاب،الترمذي -كما نعلم- ختم كتابه الذي هو"السنن"بكتاب"العلل"الذي هو"العلل الصغير"فجاء ابن رجب -رحمه الله تعالى- شرح هذا القدر،وأضاف عليه مثله،يعني شرح القدر اليسير من كتاب"العلل"للترمذي يقع في حوالي تسعة وخمسين صفحة،شرحهم في مجلد وأضاف مجلدًا آخر في الكلام على أصول العلل،هذا الكتاب على الطالب أن يحفظه كما يحفظ الفاتحة؛ لأنه في الجزء الثاني من الكتاب ذكر الثقات الذين يخطئون في رواة معينين،هو الراوي ثقة،لكن فيه فلان بعينه من المشايخ يغلط،والثقات الذين يخطئون في بلاد معينة،يقول لك مثلًا: فلان إذا روى عن أهل بلده فهو ثقة،وإذا روى عن غير أهل بلده فلا يحتجُّ به،قالوا مثلًا هشام بن عروة لما نزل العراق وكان ينزل للتجارة،فكان يجتمع عليه طلبة الحديث وأبوه عروة،وعروة يروي عن خالته عائشة،يعني سند عالي جدًّا غاية في المهارة،يعني تشرئب إليه أنظار وأعناق طلبة العلم،فكانوا يطلبون من هشام أن يحدثهم إذا نزل بالعراق،وكان يحدث من حفظه،الرجل ذاهب ليتاجر ما هو ذاهب ليحدث،فكلُّ ما حدث به هشام في العراق فيه نظر،هذه قواعد يذكرها أهل العلم.

عبد الرزاق مثلًا إمام أهل اليمن،وهو شيخ أحمد وابن معين ودارت عليه أسانيد اليمن،يعني آل علم اليمن كله إلى عبد الرزاق،ومع ذلك فعبد الرزاق عَمِيَ سنة مائتين،وكان يعتمد على الكتابة،فإذا حدث من حفظه بعد العمَى فقد وقعت الأوهام في روايته،فلا يعتدُّ بمرويات عبد الرزاق بعد العمى،وإن كان الراوي عن عبد الرزاق جبلا في الحفظ،ولو كان الإمام أحمد،ولم يحصل أن أحمد روى عن عبد الرزاق بعد العمى،لكن حتى ولو كان الإمام أحمد... وأحمد جبل في الحفظ،وإمام إليه المنتهى في التثبت،وعبد الرزاق إمام ثقة ثبت،ومع ذلك الذي روى عن عبد الرزاق وهو بهذه المثابة والمنزلة بعد العمَى فحديثه لا يقبل إذا لم يعضد،فيقولون هناك أخطاء للثقات،كأن يخطئ في راوي بعينه في بلد بعينه،في وقت بعينه،كأن يصيبه عمى،يصيبه اختلاط أو غير ذلك،فهذه من مداخل العلل ومن مواطن التعليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت