فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 701

وقصة مهاجر أم قيس رواها سعيد من منصور قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله هو ابن مسعود قال: من هاجر يبتغي شيئا فإنما له ذلك،هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها: أم قيس فكان يقال له: مهاجر أم قيس. ورواه الطبراني من طريق أخرى عن الأعمش بلفظ: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها،فكنا نسميه مهاجر أم قيس.وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين،

وقد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث: قال أبو عبد الله: ليس في أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث.واتفق عبد الرحمن بن مهدي والشافعي،فيما نقله البويطي عنه وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وأبو داود والترمذي والدارقطني وحمزة الكناني،على أنه ثلث الإسلام،ومنهم من قال ربعه،واختلفوا في تعيين الباقي.وقال ابن مهدي أيضا: يدخل في ثلاثين بابا من العلم.وقال الشافعي: يدخل في سبعين بابا،ويحتمل أن يريد بهذا العدد المبالغة.وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضا: ينبغي أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب.ووجه البيهقي كونه ثلث العلم،بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه،فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها،لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها،ومن ثم ورد: نية المؤمن خير من عمله،فإذا نظرت إليها كانت خير الأمرين.وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم،أنه أراد أحد القواعد الثلاثة التي ترد إليها جميع الأحكام عنده،وهي هذا و"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"و"الحلال بين والحرام بين"الحديث.ثم إن هذا الحديث متفق على صحته،أخرجه الأئمة المشهورون إلا الموطأ،ووهم من زعم أنه في الموطأ،مغترا بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك.وقال أبو جعفر الطبري: قد يكون هذا الحديث على طريقة بعض الناس مردودا لكونه فردا،لأنه لا يروى عن عمر إلا من رواية علقمة،ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم،ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من رواية يحيى بن سعيد،وهو كما قال،فإنه إنما اشتهر عن يحيى بن سعيد وتفرد به من فوقه،وبذلك جزم الترمذي والنسائي والبزار وابن السكن وحمزة بن محمد الكناني،وأطلق الخطابي نفي الخلاف بين أهل الحديث في أنه لا يعرف إلا بهذا الإسناد،وهو كما قال لكن بقيدين: أحدهما: الصحة لأنه ورد من طرق معلولة ذكرها الدارقطني وأبو القاسم بن منده وغيرهما.ثانيهما: السياق لأنه ورد في معناه عدة أحاديث صحت في مطلق النية،كحديث عائشة وأم سلمة عند مسلم:"يبعثون على نياتهم"،وحديث ابن عباس:"ولكن جهاد ونية"،وحديث أبي موسى:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"متفق عليهما،وحديث ابن مسعود:"رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته"أخرجه أحمد،وحديث عبادة:"من غزا وهو لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى"أخرجه النسائي،إلى غير ذلك مما يتعسر حصره،وعرف بهذا التقرير غلط من زعم أن حديث عمر متواتر،إلا إن حمل على التواتر المعنوي فيحتمل.نعم قد تواتر عن يحيى بن سعيد: فحكى محمد بن علي بن سعيد النقاش الحافظ أنه رواه عن يحيى مائتان وخمسون نفسا،وسرد أسماءهم أبو القاسم بن منده فجاوز الثلاثمائة،وروى أبو موسى المديني عن بعض مشايخه مذاكرة عن الحافظ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي قال: كتبته من حديث سبعمائة من أصحاب يحيى.قلت: وأنا أستبعد صحة هذا،فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا،فما قدرت على تكميل المائة،وقد تتبعت طرق غيره فزادت على ما نقل عمن تقدم،كما سيأتي مثال لذلك في الكلام على حديث ابن عمر في غسل الجمعة إن شاء الله تعالى [1]

(1) - فتح الباري لابن حجر - (ج 1 / ص 9) فما بعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت