فهرس الكتاب

الصفحة 526 من 701

قَالَ ابْنُ مَهْرَوَيْه: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَى النَّاسِ كِتَابَ: (الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ) ، فَحَدَّثْتُهُ بِهَذَا، فَبَكَى، وَارتَعَدَتْ يَدَاهُ، حَتَّى سَقَطَ الكِتَابُ، وَجَعَلَ يَبْكِي، وَيَسْتَعِيْدُنِي الحِكَايَةَ.

قُلْتُ: أَصَابَهُ عَلَى طَرِيْقِ الوَجَلِ وَخَوْفِ العَاقِبَةِ، وَإِلاَّ فَكَلاَمُ النَّاقِدِ الوَرِعِ فِي الضُّعَفَاءِ مِنَ النُّصْحِ لِدِيْنِ اللهِ، وَالذَّبِّ عَنِ السُّنَّةِ.

تُوُفِّيَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: فِي المُحَرَّمِ، سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ بِالرَّيِّ، وَلَهُ بِضْعٌ وَثَمَانُوْنَ سَنَةً. [1]

هذا الكتاب اقتص فيه مؤلفه أثر البخاري في"التاريخ الكبير"، وقد أجاد فيه كل الإجادة، وذلك؛ لأنه اعتنى بذكر ما قيل في كل راوٍ من"الجرح والتعديل"، وَلَخَّصَ تلك الأقوال وبَيَّنَ ما أدى إليه اجتهاده في كثير منها، والكتاب يعتبر بحق كتابَ جرحٍ وتعديلٍ كما سماه به مؤلفه؛ لأنه عادة في الأعم الغالب لا يُذكر راوٍ في"الجرح والتعديل"إلا مقرونًا ببيان حاله، مثلًا: صدوق، ثقة، ضعيف ونحو ذلك من الاعتبارات.

وهو كتاب كبير طُبِعَ في ثمانية مجلدات مع مقدمته، وتراجمه قصيرة غالبًا؛ إذ تتراوح بين السطر والخمسة أسطر، وقد رتبه مؤلفه على حروف المعجم بالنسبة للحرف الأول ثم من الاسم واسم الأب.

بالنسبة للحرف الأول فقط من الاسم واسم الأب، لكنه يقدم أسماء الصحابة أولًا داخل الحرف الواحد، وكذلك يقدم الاسم الذي يتكرر كثيرًا، ويذكر في كل ترجمة اسم الراوي واسم أبيه وكنيته ونسبته، وأشهر شيوخه وتلاميذه وقليلًا ما يُورد حديثًا من مرويات صاحب الترجمة، ويذكر بلد الراوي ورحلاته والبلد الذي نزل فيه واستقرَّ، كما يذكر شيئًا عن عقيدته إن كانت مخالفة لعقيدة أهل السنة، ويذكر بعض مصنفاته إن كانت له مصنفات وهكذا .

وهذا كتاب مصنَّفٌ تصنيفًا مستقلا تمامًا، والرواة في الغالب يتكررون، يعني الذي في"التاريخ الكبير"هو الذي في"الجرح والتعديل"مع زيادات ونقص هنا أو هنا، لكن هذا تصنيف مستقلٌّ تمامًا، نَفَسُ أبي حاتم وأبي زرعة واضحٌ فيه وجليّ وظاهر بخلاف البخاريّ هذا وجه وطريقة في التصنيف ومنهج وكلام أبي حاتم وأبي زرعة في الكتاب هذا وجه ومنهج.

والكتاب طبعا باسم ابن أبي حاتم الذي هو عبد الرحمن، وهو يسأل أباه وأبا زرعة، يقول:"سألت أبي عن فلان فقال: كذا، وسألت أبا زرعة عن فلان فقال: كذا"فالكتاب مدونة نادرة لكلام أبي حاتم وأبي زرعة الرازييْن في الرواة، بل ولكلام أئمة الجرح والتعديل عموما بأصح الأسانيد عنهم .

مما يجعل هذا الكتاب عمدة لجميع الكتب المؤلفة بعده .

وقد قَدَّمَ للكتاب بمقدمة نفيسة كبيرة هي"تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل."

وهي تقع في مجلد كامل مُقدِّمة للكلام على مشاهير الرواة الذين دارت عليهم الأسانيد؛ كالسفيانيْن والزهريّ ومالك وأحمد، وغيرهم من الأئمة الكبار.

وهي عبارة عن مدخل للكتاب ذكر فيها أبحاثًا مهمة، فيما يتعلق بالجرح والتعديل.

أمثلة من المقدمة [2] :

"معرفة السنة وأئمتها"

فإن قيل كيف السبيل إلى معرفة ما ذكرت من معاني كتاب الله عز وجل ومعالم دينه؟ قيل: بالآثار الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعن أصحابه النجباء الألباء الذين شهدوا التنزيل وعرفوا التأويل رضي الله تعالى عنهم.

فإن قيل: فبماذا تعرف الآثار الصحيحة والسقيمة؟

قيل: بنقد العلماء الجهابذة الذين خصهم الله عز وجل بهذه الفضيلة ،ورزقهم هذه المعرفة في كل دهر وزمان.

(1) - وفي سير أعلام النبلاء (13/263) فما بعدها - 129 -

(2) - مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 1 / ص 4) فما بعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت