فهرس الكتاب

الصفحة 529 من 701

فأما أصحابُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التفسير والتأويل وهم الذين اختارهم الله عز وجل لصحبه نبيه - صلى الله عليه وسلم - ونصرته وإقامة دينه وإظهار حقه فرضيهم له صحابةٌ، وجعلهم لنا أعلامًا وقدوة، فحفظوا عنه - صلى الله عليه وسلم - ما بلَّغهم عن الله عز وجل وما سنَّ وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدَّب ،ووعوه وأتقنوه ففقهوا في الدِّين، وعلموا أمر الله ونهيه ومراده، بمعاينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله ، وتلقفهم منه واستنباطهم عنه، فشرَّفهم الله عز وجل بما منَّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز ، وسماهم عدولُ الأمة فقال عز ذكره في محكم كتابه {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } (143) سورة البقرة، ففسر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الله عزَّ ذكره قوله وسطًا قال: عدلًا ، فكانوا عدول الأمة وأئمة الهدى وحجج الدين ونقلة الكتاب والسنَّة، وندب الله عز وجل إلى التمسك بهديهم والجري على منهاهجم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم ،فقال {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} (115) سورة النساء، ووجدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حض على التبليغ عنه في أخبار كثيرة ،ووجدناه يخاطب أصحابه فيها منها أن دعا لهم فقال:"نَضَّرَ اللهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا ، فَحَفِظَهُ ، حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ ، فَإِنَّهُ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ.ثَلاَثُ خِصَالٍ ، لاَ يَُغَِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلم أَبَدًا: إِخْلاَصُ الْعَمَلِ ِللهِ ، وَمُنَاصَحَةُ وُلاَةِ الأَمْرِ ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ." [1] .

وقال - صلى الله عليه وسلم - في خطبته:"فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ" [2] .

وقال: بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَلاَ حَرَجَ ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ [3] .

ثم تفرقت الصحابة رضي الله تعالى عنهم في النواحي والأمصار والثغور وفي فتوح البلدان والمغازي والإمارة والقضاء والأحكام، فبثَّ كل واحد منهم في ناحية وبالبلد الذي هو به ما وعاه وحفظه عن رسول - صلى الله عليه وسلم - وحكموا بحكم الله عز وجل ،وأمضوا الأمور على ما سنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفتوا فيما سئلوا عنه مما حضرهم من جواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظائرها من المسائل، وجردوا أنفسهم مع تقدمة حسن النية والقربة إلى الله تقدس اسمه، لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسُّنَن والحلال والحرام حتى قبضهم الله عز وجل رضوان الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين.

التابعون [4] :

(1) - مسند أحمد (22211) صحيح

(2) - مسند أحمد (16821) صحيح

(3) - حديث صحيح انظر تخريجه في المسند الجامع - (ج 11 / ص 427) (8665)

(4) - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 1 / ص 8)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت