ورغم هذا ، فإنَّ كتاب التذهيب للحافظ الذهبي جاء مشتملًا على إضافات نفيسة ، وتعليقات مفيدة ، ولطائف من كل فنون علم الحديث المتصلة بدراسة الرجال ، فقد عنيَ فيه بإبراز المؤتلف والمختلف من أسماء الرجال ، وهو ما يتفق في الخطِّ ويختلف في النطق ، وكذلك عنيَ ببيان وفاة كثير من المترجم لهم ، وغير ذلك من الإضافات التي التقطها الحافظ ابن حجر في كتابه تهذيب التهذيب ، حيث يقول في مقدمته:"وقد ألحقت في هذا المختصر ما التقطنه من تذهيب التهذيب للحافظ الذهبي" [1] .
وعلى كلٍّ ، فرغم أن تذهيب التهذيب كان اختصارا لتهذيب الكمال ، إلا أنه بعد إضافات الإمام الذهبي النافعة ، والتي ذهبَ بها مختصره ، وما بثَّه في ذلك المختصر من روحه العلمية ، ما جعل الكتاب يكاد أن يصبح مؤلفًا مستقلًّا ، وإضافة أصيلة في علم الرجال .
ثم اختصر"تذهيب التهذيب"في الكاشف في أسماء الرجال، في ثلاثة مجلدات وهو كتاب نفيس في بابه .
والحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- اختصر"تهذيب الكمال"في"تهذيب التهذيب"بين التسمية هذه وهذه حرف، هذا"تذهيب"وهذا"تهذيب"اسمه"تهذيب التهذيب"مطبوع في اثني عشر مجلدا من غير الفهارس، مطبوع قديمًا.
فالحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- اقتصر على مشاهير شيوخ الراوي وتلاميذه، يعني المزي هنا يأتي بكل الرواة الذين رَوَى عنهم الراوي، وكل التلاميذ الذين رَوَوْا عنه. جاء الحافظ ابن حجر هنا فاختصر في مسألة الشيوخ والتلاميذ هذه رفع من كل راوٍ النصف أو الثلثين، وأبقى الثلث منه ، أو يذكر سبعة ثمانية رواة من الذين تدور عليهم أحاديث الراوي، والمزي -رحمه الله تعالى- زاد على"الكمال"وهو يصنِّف كتابه"التهذيب"أنه بعدما يورد ترجمة الراوي يأتي بحديث من مروياته يقول: حدثنا فلان عن فلان إلى أن يذكر هذا الشيخ الذي يترجم له، يعني مثلًا يترجم لشعبة في ، بعدما ينتهي من الكلام على ترجمة شعبة يقول: وقد وقع لي من حديثه عاليًا: حدثنا فلان عن فلان عن فلان إلى أن يأتي على شعبة ويذكر ما فوق شعبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ويذكر حديثا أو حديثيْنِ أو ثلاثة أحيانًا، فزاد حجم الكتاب جدًّا.
ومرويات المزيّ في"تهذيب الكمال"تمثل تقريبًا من ربع إلى ثلث الكتاب، فالحافظ ابن حجر رفع هذا من الكتاب التي هي مرويات المزي التي ساقها بأسانيده عَقِبَ ترجمة كل راوٍ أو معظم الرواة؛ لأن هناك رواة لم يذكر لهم أحاديث، وزاد الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- على كلام المزي في"التهذيب"كلام المغاربة على الرواة، علماء المغرب لهم كتب، وعلماء الأندلس، فجاء بكلام المغاربة كلامٍ في الجرح والتعديل زيادة على ما أتى به المزي -رحمه الله تعالى- لكن يبقى للمزي مَزِيَّةٌ ليست لغيره، وهي: أن المزي -رحمه الله تعالى- يورد جميع تلاميذ الراوي وشيوخه، أنا إن لم أنظر في"تهذيب الكمال"؛ لن أستطيع تعيين الراوي، فقد تجد راويا اسمه متشابهٌ مع سبعة رواة في اسم الأب والجد؛ فمن الذي يفصل لك في تعيين الراوي أن هذا فلانٌ بعينه؟
"تهذيب الكمال"وليس"تهذيب التهذيب"رغم الاختصار، ورغم الإتيان بكلام هو كلام في الحقيقة لا يَفْصل، لا يقدم ولا يؤخر في حال الراوي؛ لأنه كلام متأخرين والعمدة في الجرح والتعديل على كلام المتقدمين.
(1) - تهذيب التهذيب 1/7