ثالثها ) مجهول الحال في العدالة باطنا لا ظاهرا لكونه علم عدم الفسق فيه ولم تعلم عدالته لفقدان التصريح بتزكيته،فهذا معنى إثبات العدالة الظاهرة ونفي العدالة الباطنة،لأن المراد بالباطنة ما في نفس الأمر،وهذا هو المستور والمختار قبولُه وبه قطع سليمُ الرازيُّ،قال ابنُ الصلاح:ويشبه أن يكون عليه العمل في كثير من كتب الحديث المشهورة فيمن تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة انتهى.
قلتُ: وعلى هذا يترجح العمل بالرأي القائل بقبول (رواية ) المستور على مقابله،لأنه قد تعذرت الخبرة في كثير من رجال القرن الأول والثاني والثالث،ولم يعلم عنهم مفسِّقٌ،ولا تعرف في روايتهم نكارة،فلو رددنا أحاديثهم أبطلنا سننًا كثيرة،وقد أخذت الأمة بأحاديثهم،كما أشار إليه الحافظ ابن الصلاح في كلمته الآنفة الذكر .
وعليه جرى عملُ الإمامين البخاريُّ ومسلمٌ في كتابيهما ( الصحيحين ) كما قال ذلك الحافظ الذهبي رحمه الله في الميزان في ترجمة حفص بن بُغيل [ د ] .عن زائدة وجماعة.وعنه أبو كريب،وأحمد بن بديل.قال ابن القطان: لا يعرف له حال ولا يعرف.
قلتُ: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا،فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدلُّ على عدالته.
وهذا شئ كثير،ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون،ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل.". [1] "
وقال في ميزان الاعتدال -مالك بن الخير الزبادى .مصرى.محله الصدق،يروى عن أبي قبيل،عن عبادة - مرفوعا: ليس منا من لم يبجل كبيرنا،روى عنه حيوة بن شريح،وهو من طبقته،وابن وهب،وزيد بن الحباب،ورشدين،قال ابن القطان:هو ممن لم تثبت عدالته - يريدُ أنه ما نصَّ أحدٌ على أنه ثقة،وفي رواة الصحيحين عددٌ كثيرٌ ما علمنا أن أحدا نصَّ على توثيقهم،والجمهور على أنَّ منْ كان منَ المشايخ قد روى عنه جماعةٌ ولم يأت بما ينكر ُعليه أنَّ حديثَهُ صحيحٌ ." [2] "
وهذا الذي ذكره الحافظ الذهبي رحمه الله من مسلك الشيخين قد مشَى عليه الإمامُ أبو حنيفة ومن وافقه من أتباعه وغيرهم،قال المحقق الآمديُّ الشافعيُّ في كتابه الإحكام في أصول الأحكام [3] :
المسألة الأولى- مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم أن مجهول الحال غير مقبول الرواية،بل لا بد من خبرة باطنة بحاله ومعرفة سيرته وكشف سريرته أو تزكية من عرفت عدالته وتعديله له.
وقال أبو حنيفة وأتباعه: يكتفَى في قبول الرواية بظهور الإسلام والسلامة عن الفسق ظاهرًا. اهـ
وقال به لفيف من أهل العلم ومنهم العلامة عبد الغني البحراني الشافعي في كتابه قرة العين:"لا يقبل مجهول الحال،وهو على ثلاثة أقسامٍ:"
أحدها: مجهول العدالة ظاهرا وباطنًا،فلا يقبل عند الجمهور .
ثانيها: مجهول العادلة باطنًا لا ظاهرًا،وهو المستور،والمختار قبوله،وقطع به سليم الرازي- أحد أئمة الشافعية وشيخ الحافظ الخطيب البغدادي- وعليه العملُ في أكثر كتب الحديث المشهورة،فيمن تقادم عهدهم وتعذَرتْ معرفتهم ) اهـ [4]
وقال العلامة المحقق البارع محمد حسن السنبهلي الهندي في مقدمة كتابه النفيس ( تنسيق النظام في مسند الإمام ) - أي الإمام أبي حنيفة -ص 68: ( قال القسطلاني في إرشاد الساري: وقبلَ المستورُ قومٌ ورجحه ابن الصلاح ) [5] وقال ابن حجر في شرح النخبة: وقبلَ روايتهَ جماعةٌ بغير قيدٍ )اهـ كلام السنبهلي .
وقال العلامة علي القاري في شرح شرح النخبة [6] :
(1) - الميزان1/556 (2109 )
(2) - ميزان الاعتدال (ج 3 / ص 426) (7015 )
(3) ج 1 / ص 324)
(4) - قرة العين في ضبط رجال الصحيحين ص 8
(5) - إرشاد الساري 1/16
(6) - شرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر (ج 1 / ص 518)