فهرس الكتاب

الصفحة 666 من 701

فهذه المرحلة لو خرج منها الدارس بتعلم كيفية استخراج الأحاديث من بطون الكتب وكيفية استخراج التراجم من كتب التراجم،فقد نجحنا في هذا نجاحًا عظيمًا،المرحلة التي تلي ذلك،هي مسألة جمع الطرق،يعني معرفة أماكن الحديث في جميع الكتب،ومقارنة هذه الأسانيد بعضها لبعض،ومعرفة مواطن الالتقاء التي هي تسمَّى عند علماء الحديث بالمدار،يعني هذا الحديث مداره على مَن مِنَ الرواة،ثم معرفة مواطن الخلاف على الراوي،ثم الكشف عن العلة التي هي آخر مرحلة في مراحل البحث،والتي تحتاج إلى تمكن وإلى دُربة وإلى ممارسة, وإلى تطبيق عملي يصل إلى مرحلة أن يكون الطالب حافظًا لمناهج الأئمة في كتبهم؛ يعني يقول مثلًا وهو يدرس قد عرف تسلسل كتب البخاري،البخاري مثلًا يبدأ بكتاب الوحي ويثني بالإيمان وبعد ذلك العلم،وبعد ذلك الوضوء والطهارة ونحو ذلك والصلاة،فهو يعرف خط سير الكتب،ويروح ويجيء عليها كثيرًا،وإذا قابله إسناد في كتاب يستطيع بهذه الملكة أن يعرف هذا إسناد لمن،ونحو ذلك من الممارسات الطويلة التي ترشح الطالب بعد ذلك لأن ينظر في كشف العلة،وأن يتمرس عليها وأن يتدرب عليها،فالكلام على الشذوذ والعلة هذا يعتبر في آخر مراحل الطلب،فيما يتعلق بقضية التخريج ودراسة الأسانيد،لكن نحن نشير مجرد إشارة إلى أن مسألة العلة تحتاج إلى طالب أولًا انتهى من دراسة الجانب النظري؛ بمعنى أنه درس قواعد المصطلح بشكل جيد على أيدي شيوخه،يعني قرأ مثلًا النخبة وشرحها،قرأ مقدمة ابن الصلاح،حفظ ألفية من ألفيات السيوطي أو العراقي وقرأ شرحها،التبصرة والتذكرة مثلًا فيكون الجانب النظري عنده مهضوم ومستوعب،ويدري في المسائل المتشابهة في قضايا المصطلح يفرق بين هذا وذاك،هذه واحدة،ثم يمارس الاستخراج بشكل واسع،والكلام على الرواة والأسانيد بشكل واسع،فإذا قضى هذا القدر من التأهيل العلمي استطاع أن يفهم الكلام في مسألة العلل.

فالأئمة متفقون على أن الحديث لن يستطيع الطالب أن يتفهمه إلا بجمع طرقه،ومقارنة هذه الطرق بعضها ببعض،هذه الجزئية من البحث هي المنتهى في دراسة علم الحديث.

وكانوا يقولون: إن علم الحديث إلهامٌ،يعني ينقدح في قلب الناقد أن هذا الحديث فيه علة ولا يستطيع أن يذكر مبررًا لهذا التعليل.

وسُئل أبو زُرْعة [1] : ما الحُجَّة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحُجَّة أن تسألني عن حديث له عِلَّة, فأذكر عِلَّته, ثمَّ تقصد ابن وَارة فتسأله عنه, فيذكر عِلَّته, ثمَّ تقصد أبا حاتم فيُعلله, ثمَّ تُميِّز كلامنا على ذلك الحديث, فإن وجدت بيننَا خِلافًا فاعْلم أنَّ كلا مِنَّا تكلَّم على مُراده, وإن وجدت الكلمة مُتفقة, فاعلم حقيقة هذا العِلْم, ففعل الرَّجُل ذلكَ, فاتَّفقت كلمتهم, فقال:أشهدُ أنَّ هذا العلم إلهامٌ""

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ (الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ) لَهُ [2] :

"سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: جَاءنِي رَجُلٌ مِنْ جِلَّةِ أَصْحَابِ الرَّأْي،مِنْ أَهْلِ الفَهْمِ مِنْهُم،وَمَعَهُ دَفْتَرٌ،فَعَرَضَهُ عَلَيَّ،فَقُلْتُ فِي بَعْضِه: هَذَا حَدِيْثٌ خَطَأٌ،قَدْ دَخَلَ لِصَاحِبِهِ حَدِيْثٌ فِي حَدِيْثٍ،وَهَذَا بَاطِلٌ،وَهَذَا مُنْكَرٌ،وَسَائِرُ ذَلِكَ صِحَاح."

فَقَالَ: مِنَ أَيْنَ عَلِمْتَ أَنَّ ذَاكَ خَطَأٌ،وَذَاكَ بَاطِلٌ،وَذَاكَ كَذِبٌ؟ أَأَخْبَرَكَ رَاوِي هَذَا الكِتَابِ بِأَنِّي غَلِطْتُ،أَوْ بِأَنِي كَذَبْتُ فِي حَدِيْثِ كَذَا؟

(1) - معرفة علوم الحديث ص 113

(2) - سير أعلام النبلاء (13/253-255) والحديث المعلول قواعد وضوابط - (ج 1 / ص 14) ومقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 1 / ص 314) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 1 / ص 349)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت