فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 701

فمعلوم أن من كانت هذه أفعاله وخلائقه أنه لا يخطئه أن تأتي عليه التارة من الزمان والحين من الأيام مملقا لا شيء له،قد أسرع في ماله نوافل عطاياه وفواضل نداه،إن احتاج له أخ أو خليل إلى بعض ما يحتاج إليه الآدميون،لم يكن له سبيل إلى مؤاساته لقلة ذات يده،إلى أن يثوب له مال،أو يتعين له مال . فقد ثبت إذا بما ذكرت ووصفت خطأ قول القائل: كيف يجوز أن يرهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - درعه عند يهودي على أوسق من شعير،وفي أصحابه من أهل الغنى والسعة من لا يجهل موضعه ؟ أم كيف يجوز أن يوصف بأنه كان يطوي الأيام ذوات العدد خميصا وأصحابه يمتهنون له أموالهم،ويبذلونها لمن هو دونه من أصحابه ؟ فكيف له ؟ إذ كان - صلى الله عليه وسلم - معلوما جوده وكرمه وإيثاره ضيفانه والقادمين عليه من وفود العرب بما عنده من الأقوات والأموال على نفسه وأهله،واحتماله المشقة والصبر على الخموصة والمجاعة في ذات الله،وامتثال أصحابه وتباعه في ذلك أخلاقه،ومن كان كذلك وأتباعه فمعلوم أنه غير مستنكر له ولأتباعه حال ضيق يحتاج هو وهم معها إلى الاستسلاف والاستقراض،وإلى طي الأيام على المجاعة والشدة . فكان ما يكون من ضيق يصيبه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أو من يصيبه ذاك منهم ومعيشته لهذه الأسباب التي وصفنا،وهذه والأحوال من أحواله وأحوال أصحابه عنيت بالأخبار التي رويت عنه من شده الحجر على بطنه هو وأصحابه،وعدمهم القوت وما يشبعهم الأيام المتتابعة . وتقول عائشة رحمة الله عليها: لقد أتى علينا شهران ما يوقد في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصباح،وما أشبه ذلك من الأخبار . فأما الرواية التي رويت عنه - صلى الله عليه وسلم -: أنه لم يشبع ثلاثا تباعا من خبز حتى لقي الله عز وجل،فإن البر كان بنواحي مدينته قليلا،وإنما كان الغالب عليهم على عهده التمر والشعير،فغير مستنكر أن يكون - صلى الله عليه وسلم - كان يؤثر قوت أهل بلده،ويكره أن يختص نفسه بما لا سبيل للمسلمين إليه من الغذاء،وهذا هو الأشبه بأخلاقه . وأما الأخبار التي رويت عنه - صلى الله عليه وسلم -: أنه لم يشبع شبعتين في يوم حتى لحق بالله تعالى،وأنه لم يشبع هو وأهله من خبز الشعير حتى قبضه الله،وما أشبه ذلك من الأخبار،فإن ذلك لم يكن منه - صلى الله عليه وسلم - في كل أحواله لعوز ولا لضيق،وكيف يكون ذلك كذلك،وقد كان الله تعالى ذكره أفاء عليه من قبل وفاته بلاد العرب كلها،ونقل إليه الخرج من بعض بلاد العجم كأيلة والبحرين وهجر ؟ ولكن ذلك كان بعضه لما وصفت من إيثاره نصيب حقوق الله تعالى بماله،وبعضه كراهة منه الشبع وكثرة الأكل،فإنه كان يكره ذلك،وبترك ذلك كان يؤدب أصحابه،وبذلك جاءت الآثار عنه،وإن كان في إسناد بعضه بعض ما فيه. اهـ

5.الأحاديث التي في الباب:

وهي الشواهد والمتابعات ويجمعها موضوع الحديث،لأنها تشهد للحديث المذكور فيه. وإطلاق العلماء قولهم: (وفي الباب ) أعم من إطلاق الترمذي،لأن مقصود الترمذي ذكرُ الشواهد فقط،ويريد غيره ذكر المتابعات والشواهد معًا،فالباحث بحسب غرضه،هل يأخذ مما في الباب لتقوية المتن أو تقوية الإسناد.

وإذا كان الحديث صحيحًا تجمع شواهده ومتابعاته لدفع الغرابة عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت