فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 34273 من 36878

حقيقة الإيقاع القرآني:

يرى كثير من الباحثين أن الإيقاع القرآني يصعب شرحه لما يمتاز به من عمق وسحر لا يعرف مصدره تحديدًا، وإن كان من الممكن الحديث عنه أو تفسيره تخمينا. يقول سيد قطب:"على أن هناك نوعًا من الموسيقى الداخلية يلحظ ولا يشرح، وهو كامن في نسيج اللفظة المفردة، وتركيب الجملة الواحدة، وهو يدرك بحاسة خفية وهبة لدنية".

وكثيرًا ما نلمح في النص القرآني ما يعضد هذا الإيقاع، ويقوي أصوله، مثلما نلمح في قوله تعالى من سورة طه: (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى {77} فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ {78} وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى {79} ) كلمات في غاية الرقة مثل (يبسًا) أو (لا تخاف دركًا) فالكلمات تذوب في يد خالقها، وتصطف وتتراص في معمار ورصف موسيقي فريد، هو نسيج وحده بين كل ما كتب بالعربية سابقًا ولا حقًا، لا شبيه بينه وبين الشعر الجاهلي، ولا بينه وبين الشعر والنثر المتأخر.

ويرى مصطفى صادق الرافعي أن هذا الإيقاع القرآني الفريد هو مناط الإعجاز والتحدي لقريش لما قرأه عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بدء الدعوة. يقول الرافعي:"لما قٍرئ عليهم [يعني قريشًا] القرآن رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله، ألحانًا لغوية رائعة، كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعها، فلم يفتهم هذا المعنى وأنه أمر لا قبل لهم به؛ وكأن ذلك أبين في عجزهم حتى إن من عارضه منهم كمسيلمة جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظمًا موسيقيًا أو بابًا منه، وطوى عما وراء ذلك من التصرف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني، كأنه فطن إلى أن الصدمة الأولى للنفس العربية إنما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها. وليس يتفق ذلك في شيء من كلام العرب إلا أن يكون وزنًا من الشعر أو السجع".

وقد حاول سيد قطب أن يشرح حقيقة الإيقاع الموسيقى في القرآن فقال:"إن في القرآن إيقاعًا موسيقيًا متعدد الأنواع يتناسق مع الجو ويؤدي وظيفة أساسية في البيان. فالإيقاع الموسيقيي في القرآن الكريم ينبعث من تآلف الحروف في الكلمات، وتناسق الكلمات في الجمل، ومرده إلى الحس الداخلي. والإدراك الموسيقي الذي يفرق بين إيقاع موسيقي وإيقاع ولو اتحدت الفواصل والأوزان".

ويقترب الرافعي قليلًا من سر هذه الموسيقى فيقول:"فتألفت كلماته من حروف لو سقط واحد منها أو أبدل بغيره، أو أقحم معه حرف آخر، لكان ذلك خللًا بينًا أو ضعفًا ظاهرًا في نسق الوزن وجرس النغمة، وفي حس السمع وذوق اللسان، وفي انسجام العبارة وبراعة المخرج وتساند الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض، ولرأيت لذلك هجنة في السمع كالذي تنكره من كل مرئي لم تقع أجزاؤه على ترتيبها، ولم تتفق على طبقاتها، وخرج بعضها طولًا وبعضها عرضًا".

غير أننا يجب أن نلاحظ أن الإيقاع القرآني لا يعمل بصورة منفردة وبمعزل عن السياقات المتنوعة في النص القرآني، وذلك لأن النص القرآني منظومة متكاملة الأطراف يفضي بعضها إلى بعض في سياق تنظيمي فريد. فالإيقاع القرآني يتبع في نطاق عمله الموضوع الذي تتكلم عنه الآيات القرآنية.

ويرى سيد قطب- رحمه الله تعالى- أن الإيقاع القرآني يتنوع تبعًا للموضوع الذي تتحدث عنه الآيات القرآنية حيث يقول بأن"التكوين الموسيقي في قوله تعالى: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ {42} قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ {43} ) يذهب طولًا وعرضًا في عمق وارتفاع، ليشترك في رسم الهول العريض العميق، والمدات المتوالية المتنوعة في التكوين اللفظي للآية تساعد في إكمال الإيقاع وتكوينه واتساقه مع جو المشهد الرهيب العميق".

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت