(ضربب وكرمم ونحو ذلك) فاعترضه ابن جني قائلًا:"افترتجل اللغة ارتجالًا!!"قال:"ليس بارتجال، لكنه مقيس على كلامهم، فهو اذًا من كلامهم؛ الا ترى انك تقول: طاب الخشكنان، فتجعله من كلام العرب وان لم تكن العرب تكلمت به هكذا، فرفعك إياه كرفعها، ما صار لذلك محمولًا على كلامها ومنسوبًا إلى لغتها" (19)
وجاء في الخصائص أن ابن جني سأل أستاذه يومًا"هل يجوز لنا في الشعر ما جاز للعرب أولًا؟"فقال:"كما جاز أن نقيس منثورنا على منثورهم، فكذلك يجوز لنا أن نقيس شعرنا على شعرهم، فما أجازته الضرورة لهم أجازته لنا، وما حظرته عليهم حظرته علينا، وإذا كان كذلك فما كان من أحسن ضروراتهم فليكن من أحسن ضروراتنا، وما كان من أقبحها عندهم فليكن من أقبحها عندنا، وما بين ذلك بين ذلك" (20)
فكانت صلة علمية مباركة، استمرت نحوًا من خمسةٍ وثلاثين عامًا، أثمرت أطيب الثمار، فنفذ من خلالها إلى أسرار العربية، وكشف عن جوانب فذة منها، وذلك أن ابن جني لازم شيخه حلًا وترحالًا، وكأنه أرهف سمعه لكل ما يقول الشيخ حتى كاد يحصي أنفاسه، ومما يدل على ذلك إشارات ابن جني الكثيرة إليه ثناؤه عليه، فكلما وقع على لطيفة من لطائف العربية، ردّها إليه وصرفها نحوه، وهو لا يزال في الخصائص والمنصف وغيرهما من مصنفاته يخبرك أن هذا الذي استخرجه وفطن له إنما خرج من كيس الشيخ. (21)
ومن تلاميذ أبي علي النابهين أيضا أبو الحسن علي بن عيسى الرِّبعي (420) هـ وهو من شراّح (الإيضاح) ، كذلك أبو طالب العبدي احمد بن بكر (406) هـ وهو أيضا من شراح الإيضاح، وأبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري صاحب (الصحاح) المتوفى سنة (393) هـ وأبو علي احمد بن محمد المرزوقي شارح (الحماسة) المتوفى سنة (421) هـ، ومنهم ابن أخته أبو الحسين محمد بن عبد الوارث النحوي (421) ،ومن معاصري أبي علي المشاهير الذين اخذوا عنه: أبو الحسن بن عيسى الرماني المتوفى سنة (384) .
مصنفاته:
تعددت مصنفات أبي علي الفارسي، حتى بلغت نحو الأربعين، قدر كبير منها مسائل أملاها في البلدان التي نزل بها فنسبت إليها، وممن أحصى تلك المصنفات ياقوت الحموي في (معجم الأدباء) واستقصاها دارسوه وناشرو كتبه، ومنها نذكر:
1 -الحجة للقرّاء السبعة.
2 -التذكرة.
3 -الإيضاح النحوي، وهو كتاب نحو خالص بالمعنى العام لهذا العلم، الذي يشمل علم الصرف، وممن شرحه بالإضافة إلى تلاميذه ابن أبي الربيع بجزأيه اللذين نشرا تحت عنواني"الإيضاح"و"التكملة".
4 -مختصر عوامل الإعراب.
5 -المسائل الدمشقية.
6 -المسائل العسكرية، وقد سمي بهذا الاسم نسبة إلى مدينة (عسكر) وهي مدينة مشهورة في إقليم خوزستان في أطراف بلاد فارس، إذ أن أبا علي كان عالمًا من أعلام النحو ومراجعه في عصره، وكان يزور المدن فيجتمع إلى علمائها وطلبة العلم فيها، فيجمعون له المسائل المعقدة في النحو والعربية ويطرحونها عليه، فكان يجيب عليهم (إملاء) ثم تسمى تلك المسائل باسم البلدة التي أمليت فيها، وهناك المسائل الحلبية التي أملاها بحلب، والمسائل البغدادية التي أملاها ببغداد، والمسائل البصرية التي أملاها بالبصرة، والشيرازية التي أملاها بمدينة شيراز وغيرها من أمهات كتب العربية.
7 -كتاب الشعر أو إيضاح الشعر، وهذا الكتاب قد تعددت أسماؤه والعنوانات التي جاء عليها، وسأركز على ابرز المسائل التي تناولها في حديثه عن القياس من خلال هذا الكتاب الذي قام بتحقيقه وشرحه الدكتور محمود محمد الطناحي، إذ جاء في جزأين، وقد كسر أبو علي كتابه على أربع وأربعين بابًا، ابتدأه بباب (في تفسير الكلم التي سميت بها الأفعال) واختتمه بـ (باب يجمع ضروبًا من باب من الفاعل) ، وحتى نتبين منهجه في هذا الكتاب وكيفية عرضه للمسائل التي تناولها، لا بد من الإشارة إلى أن أبا علي كان يبدأ الباب ببيت يعالج من خلاله المسألة المعقود لها الباب، ثم يستطرد إلى مسائل أخرى يجره إليها ما يثيره من وجوه المعاني والاعاريب، وقد يبدأ الباب بأكثر من شاهد، كذلك لابد من الإشارة إلى أن هذا الكتاب خلا من مقدمة، وكانت تلك طريقته في بعض مصنفاته وبخاصة في المسائل البلدانية كالعسكريات والبغداديات وهذه أيضا طريقة بعض كتب الأوائل.
(يُتْبَعُ)