الشيخ: وهو من الأحاديث الصحيحة التي رواها الإمام البخاري في هذا الكتاب في الأدب المفرد بالسند الصحيح عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان رجلا يخالط الناس وكان موسرا فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال الله عز و جل: نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه) .
في هذا الحديث بيان فضل الخلق الحسن إذا تخلّق به المسلم حتى أنه ليكون سببًا في تخليص صاحبه من العذاب الذي يستحقه بسبب ما كان اجترح واقترف وارتكب من الآثام والذنوب، فهذا رجلٌ يقول عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان فيمن قبلنا- يعني من بني إسرائيل - لم يعمل خيرًا قط) سوى أنه كان مؤمنا، ً يجب أن نفترض دائمًا وأبدًا في كل حديثٍ نقرؤه أو كل خبر نسمعه فيه مثل هذا الفضل ... وليس فيه ... أن المستحق لهذا الفضل كان مسلمًا يجب أن نفترض في كل حديث نسمعه فيه ذكر فضيلةٍ ما أن المستحق لهذه الفضيلة هو كان مسلمًا، فنحن نسمع في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم (كان رجلا ممن كان قبلكم) لم يقل كان مسلما، فيجب أن نفسّر هذا الرجل بأنه كان مسلما ولو لم يكن مذكورا وصفه مسلما في الحديث وهذا يؤخذ من قواعد الشريعة لأن الله عز وجل يقول في حق كل مشرك (( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ) )ويقول الله عز وجل مخاطبا أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في شخص النبي (( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ ) )فإذا سمعنا مثل هذا الحديث (حوسب رجلًا ممن كان قبلكم) ثم سمعنا في آخر الحديث أن الله تجاوز عنه فيجب فورًا أن نقدّر في بالنا أن هذا الرجل كان مسلمًا، وفي مثل هذا الحديث بصورة خاصة من الضروري جدًا أن نقدّر هذا التقدير أن هذا الرجل كان مسلمًا لأنه يقول فلم يوجد له من الخير شيء مع أن أكبر خير هو الإيمان، لذلك في أحاديث الشفاعة أن الله عز وجل يأمر في آخر الأمر حينما يشفع الرسل والأنبياء والملائكة والصالحون ثم يشفع رب العالمين تبارك وتعالى فيقول في بعض الروايات الصحيحة يقول للملائكة (أخرجوا من في قلبه مثقال ذرة من خير) والمقصود بهذا الخير هو الإيمان فإذا قرأنا هذا الحديث (حوسب رجل ممن كان قبلكم) ، ثم ختم الحديث بأن الله عز وجل بعد محاسبة هذا الإنسان تجاوز عنه فيجب أن نقدر في البال أن هذا الرجل كان مسلمًا وإلا لو كان مشركًا وكان قد ملأ الدنيا خيرًا وفضلًا فذلك لا يفيده شيئًا كما ذكرنا في الآية السابقة (( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ) )ويؤكّد هذا الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: معنى الحديث أن المؤمن إذا أتى بحسنة جوزي عليها في الدنيا وحوسب بها أيضًا يوم القيامة أي له أجران الأول في الدنيا عاجلًا و الآخر في الآخرة آجلًا، أما الكافر فمهما عمل من حسنات في الدنيا جوزي عليها في الدنيا حتى إذا جاء يوم القيامة جاء وليس في صحيفته من الحسنات شيء، الله عز وجل كما قال (( وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) )، ولكن يحاسب كل شخص بحسب ما قام فيه من إيمان فالمؤمن يجزى بحسناته في الدنيا والأخرى خيرًا، أما الكافر فيجزى بحسناته في الدنيا أما في الآخرة فيأتي وليس في صحيفته حسنة وذلك لأنه كفر بالله ورسوله وأشرك بالله عز وجل فحبط عمله وكان في الآخرة من الخاسرين.
أردت بهذا الكلام أن ألفت النظر وأن تتفقهن في الدين حينما تقرأن حديثًا كهذا كان فيمن قبلكم رجل ثم تجاوز الله عن آثامه يجب أن تخطّروا في البال أنه كان مسلمًا وإلا لو كان مشركًا لم يفده عمله الصالح شيئًا.
بعد هذا أقول: قال عليه السلام: (حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء) .
في هذا الحديث إشارة إلى أن الحساب في يوم الحساب معناه مناقشة الإنسان فيما قدّم من خير أو شر وعرض هذه الحصيلة وهذه النتيجة على الإنسان ليرى عاقبة ذلك إما أن يكون من أهل الجنة أو أن يكون من أهل النار.
بعد أن حوسب هذا الرجل ولم يوجد في صحيفته من الخير شيء إلى الإيمان كما ذكرنا