و لو حرفا من الطعن في الطريقة التجانية لن أجيبك أبدا و تتحمل أنت و حدك إثم قطع الرحم.
…و لما نفذ ما عندي من الدراهم جاءني الشيخ محمد الخرشي الشنقيطي ـرحمه الله سواء أكان حيا أو ميتا ـ فأعطاني ريالين مصريين و كان من المتخرجين في الجامع الأزهر و له راتب من أوقاف الطلبة المغاربة قدره جنيهان مشاهرة و عشرة أرغفة مياومة و هو من الستينيين.
و كان الطلبة المغاربة في ذلك الزمان ثلاثة أقسام: ستينيين, و عشرينيين و منتظرين فالستينيون عددهم [ستون رجلا يأخذون راتبا قدره جنيهان مشاهرة و عشرة أرغفة مياومة, و العشرينيون عددهم] عشرون رجلا يأخذون راتبا قدره نصف جنيه مشاهرة و خمسة أرغفة مياومة, والمنتظرون يعدون بالمئات لا يأخذون إلا رغيفين في كل يوم. وكانت الحرب قائمة على الدوام بين الستينيين و المنتظرين و العشرينيون على الحياد. و ذات يوم هجم ثلاثة من المنتظرين على شيخ رواق الغاربة ـ بعد السلام من صلاة الجمعة ـ في الأزهر فطعنوه بالخناجر حتى مات, فهرب الناس من المسجد لا يلوون على شيء و ركب بعضهم بعضا حتى مات بعض الضعفاء من الزحام( و أظن أن الأخ القارئ يعرف طبعي في الاستطراد, فأنا لا أحول عنه ولا أزول، كما قال المتنبي:
………… (لكل امرئ من دهره ما تعودا)
…فقال لي الشيخ محمد الخرشي: لا تقعد هنا مقيما على معيشة ضنك كالوتد ألم تسمع قول الشاعر:
…و لا يقيم على خسف يراد به……إلا الأذلان عير الحي والوتد
…هذا على الخسف مربوط برمته………و ذا يشجوا فلا يرثي له أحد
معنى البيتين لا يرضى أحد أن يقيم على ذل إلا الأذلان الحمار الأهلي والوتد الذي تضرب ب الخيمة و تثبت, فالحمار الأهلي مربوط بحبل لا يستطيع الفرار مع أنه يضيق عليه في العلف و يحمل من الأحمال ما لا يطيقه و علاوة على ذلك يضرب بالعصا و ينخس بالمنخاس و هو حاد كالإبرة, و الوتد يضرب على رأسه ليدخل في الأرض كلما أريد نصب الخيمة و لا يستطيع أن ينجو بنفسه.