…فقلت له مكره أخاك لا بطل. و ماذا عسيت أن أفعل و أنا هنا غريب؟! فمالي إلا الصبر الجميل. فقل لي: كل طلبة العلم الغرباء في مصر بدون استثناء و ما أكثرهم يخرجون إلى الفلاحين و يلقون دروس الوعظ في المساجد فلا يكاد الفلاحون يرونهم حتى يغمروهم بالإكرام بالدراهم و الثياب و الزاد دون أن يحوجوهم إلى تذلل ولا سؤال، فإن الفلاح المصري يضرب به المثل في الكرم و هذه عادتنا كلنا منذ حللنا هذه الديار فشكرته على هديته و نصيحته و عزمت على الخروج إلى الصعيد و هو الذي بقي لي لم أره, فإن الوجه البحري و هو ناحية الشمال في مصر قد رأيته من القاهرة إلى آخر الإسكندرية و بقي لي الوجه القبلي و هو ناحية الجنوب, فتوكلت على الله و سافرت بالقطار إلى مدينة (ملوي) فكنت أسمع بالشيخ عبد الظاهر الريرموني أنه من دعاة السلفية فسألت عنه فوجدته و نزلت عند مغربي يسمى الشيخ إبراهيم الدادسي و هو طبيب عيون يقدح العيون على طريقة الطب الإسلامي القديم بميل من حديد بدون تخدير فيخرج البياض من العين ثم يعالج الجرح بالأدوية إلى أن تشفى العين التي كانت عمياء لا تبصر شيئا و يعود إليها نورها بإذن خالقها, و هذه الطريقة لا تزال مستعملة إلى يومنا هذا في بعض القرى النائية عن المدن في بلاد المغرب وغيرها.