…و لما كنت أتحدث مع نائب السفير كان جالسا إلى جانبه رجل مغربي لا يدل زيه و هيئته على أنه يعرف الانكليزية فسألت عنه فقيل لي: هذا السيد أحمد الرزيني, و كنت أعرف أخاه السيد عبد القادر الرزيني و بيتهما من أشرف بيوتات تطوان و أهل هذا البيت من أصحاب الحمايات الانكليزية التي وقعت في زمن ضعف الدولة المغربية, فإن التجار كانوا يخافون على أنفسهم من ظلم الحكام المغاربة فيحتمون بحماية أجنبية, فتكلم السيد أحمد الرزيني أمام الحاضرين و قال لي: جزاك الله خيرا على ذلك التوبيخ الذي وبخت ذلك المجرم اليهودي, ما أحد شفى قلبي منه إلا أنت ثم أطنب في مدحي عند الحاضرين و قال لهم: هذا الأستاذ بقي نصف ساعة يوبخ ذلك الخبيث بلغة انكليزية فصيحة, فأنتم تعرفونني أنا لا أخالط الفقهاء و لم أحترم فقيها مثلما احترمت هذا الفقيه فهكذا يكون الفقهاء و إلا فلا و قال لي: إذا عزمت على السفر و لم يبقى لسفرك إلا ثلاثة أيام أرجوا أن تلقاني, فظننت أنه يريد أن يبعث معي شيئا لابن أخيه الذي يدرس في مصر.
…فلما حان وقت سفري لقيته بالمسجد الأعظم و معي كاتبي السيد محمد بن فريحة فقلت له: أخبر السيد أحمد الرزيني أنني بعد يومين مسافر إن شاء الله فأخبره, فجلس و أدخل يديه كلتيهما تحت جلابته و سمعت خشخشة و استمر على ذلك نحو خمسة دقائق ثم أخرج يده و فيها ألف بسيطة فناولني إياها و قال لي: هذه هدية للعلم الشريف أرجوا أن تقبلها, فلما أخبرت الناس بذلك لم ينقض عجبهم منه و قالوا كلهم: إن هذا الرجل ما رأيناه يتبرع بشيء لأي مقصد من مقاصد البر و لو سأله السائلون و ألحوا عليه, هكذا قالوا و العهدة عليهم و لا شك أنه تأثر كثيرا بالجدال الحاد الذي و قع بيني و بين نائب السفير الانكليزي.