…و كان ابتداء دعوتي في مسجد بمحلة الشيوخ بالأعظمية و هو مسجد له و قف خاص كان المتولي عليه الحاج محسوب ـ رحمه الله ـ و قد جرت العادة بإلقاء الوعظ في كل مسجد كل يوم من أيام رمضان على الأخص, فلما أقبل رمضان ذهب الحاج محسوب يبحث عن عالم من العلماء ليستأجره للوعظ في مسجده مدة شهر رمضان فاتفق مع أحدهم ـ و لا أسميه إبقاء عليه ـ ثم وجد ذلك الشيخ أجرا أعلى مما اتفق عليه مع الحاج محسوب فأخبره بفسخ الإجازة, و ذهب إلى عالم آخر ـ لا اسميه أيضا إبقاء عليه ـ فاتفق معه أن يعطيه عشرة دنانير, فلما أقبل رمضان و لم يبقى إلا يوم واحد من شعبان جاءه ذلك العالم و أخبره بفسخ الإجازة لأنه و جد من يعطيه أكثر من ذلك فأصاب الحاج محسوبا من الحزن و الغم و الغيظ على جميع المعممين و هكذا يسمى علماء الدين عندهم, لأنهم يلتزمون لبس العمامة و الجبة و ذلك زي العلماء عندهم فكل من لبس العمامة فكل من لبس عمامة و جبة يحسبه الناس عالما و إن كان أجهل من حمار أهله. فما شعرت إلا و الحاج محسوب يطرق الباب فرحبت به و جلسنا نتحدث فاشتكى إلي مما أصابه من المعممين و ذمهم ذما شديدا, و قال لي: يا ليت الواحد منهم حين استولى عليه الطمع و أراد الزيادة جاءني فاستشارني قبل أن ينقض العهد و يتفق مع غيره, كان ينبغي أن يقول لي قد و جدت من يعطيني أجرا أكثر مما اتفقت عليه معك فإما أن أزيده و إما أن أفسخ العقد معه. قال: و اليوم جاءني أحد الأصدقاء و قال لي: عليك بالدكتور محمد تقي الدين الهلالي يعظ في مسجدك ثلاث مرات في الأسبوع فإنه يعظ لله و لا يطلب أجرا قال: فجئتك و أنا مستعد أن أقدم لك ما تطلب, فقلت له: يا حاج محسوب أنا لا آخذ شيئا على الوعظ لأنه فرض فرضه الله علي لأنه من الجهاد و الجهاد واجب بالنفس و المال.