…لما حان و قت السفر جاءني الشيخ مصطفى فتوجهنا إلى المرسى لنركب الباخرة إلى البصرة فقال لي: إن عندي سبعة من الخدام و قد بعثت أحدهم مع السفن الشراعية التي لا يحتاج راكبها إلى جواز, فإذ صعدت سلم الباخرة و سألك الإنكلزي ما اسمك فقل: اسمي حسن الحنيان فقلت له: عفوا أنا لا أكذب, فضحك كثيرا و قال لي: أنت عربي تريد السفر على بلد عربي و قد منعك الإنكليز من حقك فأي حرج عليك إذا كذبت عليهم لتتوصل إلى حقك؟ فقلت له: لم ينشرح صدري لذلك فقال لي: هل تستطيع أن تسكت إذا سألك الإنكليزي؟ فقلت: نعم, فقال: إذا سألك الإنكليزي فاسكت و أنا أجيب عنك, فلما صعدنا السلم تقدم هو و أنا خلفه فسألني الإنكليزي: إيش اسمك؟ فسكت فقال الشيخ مصطفى: اسمه حسن الحنيان فدخلت الباخرة, و في مساء ذلك اليوم قال لي: هل قلت شعرا؟ فقلت: نعم, فقال لي: هل تستطيع أن تشطر هذه القصيدة و هي لشوقي مطلعها:
……خدعوها بقولهم حسناء……و الغواني يغرهن الثناء
…فأعطاني القصيدة مكتوبة فانصرفت إلى منزلي و شطرتها في تلك الليلة و سأدرجها مع التشطير هنا لأني أشعر أن بعض قراء هذا الكتاب إن لم نقل كلهم, يحبون الاطلاع عليها, و الشطور المزيدة بين قوسين و نصها:
……خدعوها بقولهم حسناء…… (و امتداح الكواعب استهاء)
…… (فرنت للوصال بعد نفور) ……و الغواني يغرهن الثناء
……ما ترها تناست اسمي لما…… ( أن تفانت في حبها العظماء )
…… (و التناسي شأن الخريدة إذ ما) ……كثرت في غرامها الأسماء
……أن رأتني تصد عني كأن لم…… (يلف لي في فؤادها استيلاء)
…… (لا شفاني وصالها إن لم) ……يكن بيني و بينها أشياء
……نظرة فابتسامة فسلام…… (لفؤادي العليل هو الشفاء)
…… ( ثم رد فبث شكوى بعاد) ……فكلام فموعد فلقاء
……يوم كنا و لا تسل كيف كنا…… (لا وشاة تخشى و لا رقباء)
…… (فخلعنا العذارا ثم جعلنا) ……نتهادى من الهوى ما نشاء
……و علينا من العفاف رقيب…… (أن تدنس و صلنا فحشاء)