…و لما وصلت إلى هذه المسألة اشترك مع الشيخ في المناظرة نحو عشرة أشخاص فقال لي أحدهم قوله تعالى: {بلغ ما أنزل إليك من ربك} معناه بلغه عليا, فقلت له: هذه زيادة في القرآن فلو قلت لك أنا: معناه بلغه أبا بكر لكان القولان متساويين فبأي دليل ترجح أحدهما على الآخر و كلاهما دعوى بلا دليل؟ فغضب الشيخ و قال: أبو بكر (يأكل خراه) ـ و هذا شتم قبيح مستعمل في تلك البلاد و العراق و نجد, و معناه يأكل العذرة التي تخرج منه ـ كيف تقارن بينه و بين أمير المؤمنين عليه السلام و هو جاهل لا يعرف (الأب) المذكور في سورة عبس, و العرب كلها تعرف الأب و هو العشب؟!. فقلت له: أيها الشيخ: إن علماء المناظرات يقولون: إن الشتم سلاح العاجز لأن القادر على المناظرة بالدليل و البرهان لا يلجأ إلى الشتم, أبو بكر لم يكن يجهل الأب لأنه كان من شيوخ العرب و حكمائهم إنما قال ذلك تورعا و خوفا من الله تعالى و تعظيما لكتابه و عملا بقول النبي صلى الله عليه و سلم: (من قال في القرآن برأيه فقد كفر) [قال الناشر: الحديث لم أجده بهذا اللفظ, لكنه عند الترمذي (2951) و غيره بلفظ: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. و هو ضعيف, انظر ضعيف الترمذي (570) ] و قد خاف أبو بكر رضي الله عنه أن يراد بالأب معنى خاص يجيء فيه تفسير عن النبي صلى الله عليه و سلم فتوقف و هذه من فضائله و مناقبه, ثم قلت له: إذا أراد الله أن تبليغ النبي صلى الله عليه و سلم إنما هو لعلي فلماذا لم يسمه كما سما زيدا في سورة الأحزاب؟ فقال لي: إن قريشا حذفت كثيرا من القرآن فقلت له: قال تعالى في سورة الحجر آية9: {إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون} و لاشك أن الله تعالى لا يخلف الميعاد و قد حفظ هذا القرآن الكريم من بين سائر الكتب السماوية و قد أجمع المسلمون و غير المسلمين إلا من شذ من أعداء الإسلام على هذا, فأنت تجد القرآن في جميع أنحاء العالم على اختلاف أديان أهل تلك