…و لما سمع الأمير بسفري غضب غضبا شديدا و لعنني و لعن قبيلة بن هلال كلها ـ توهما منه أنني أنتسب إليها و أنا إنما أنتسب إلى هلال و هو الجد الحادي عشر من ذرية الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ـ و قال للشيخ محمود شويل: يا محمود قل له إذا رجع لا يمسك ورقة و لا يجلس في المسجد و قل لمحمد بن عبد الرزاق لا يجعله نائبا عنه في الصلاة أبدا, فلما رجعت زرته و معي الأمير ماجد بن موقد و أخبرته أن رحلتي إلى النخيل كانت بإذن و حث و ترغيب من رئيس القضاة الشيخ عبد الله بن حسن و هو يعلم ذلك فلم يقل شيئا.
…و استمر الأمر على تلك الحال مدة سنتين فضاق الأمير بنا ذرعا و نفد صبره, فدعانا ذات يوم إلى قصره بعد صلاة الظهر و كانت العادة أن تكون الضيافة في الطبقة الأولى و لكنه صعد بنا إلى الطبقة الرابعة التي يسكن فيها عياله و وضع لنا تمرا و جحا و هو الحبحب بلغة أهل الحجاز و لبنا و قال لنا: هذا طعامنا معشر أهل نجد في النهار ثم قال: أنا ما دعوتكما للطعام و لكن دعوتكما لأخبركما بأني لا أشك في صحة عقيدتكما و أنكما تريدان الخير و لكنكما تجاوزتما الحد في الشدة, و أنتما تسمعان كلام الملك في مجالسه العامة و تفهمان منه شيئا و نحن نسمع كلامه في المجالس الخاصة و في الرسائل الخاصة و نفهم منه شيئا آخر فعلى أي شيء نعمل على فهمنا أم على فهمكما؟! فقلنا له: إن كان الأمر كذلك ينبغي أن تعملوا على فهمكم فقال: إذا فتلطفا ة اتركا الشدة و كلاما طويلا من هذا القبيل ثم انصرفنا من عنده.
…و كان يعني بالكلام الذي يقوله الملك في المجالس العامة ما كان يلهج به رحمة الله عليه إذا اجتمع عند مشايخ العلم و هو قوله: أيها العلماء مروا بالمعروف و انهوا عن المنكر فقد أخذت هذه الأمانة من عنقي و وضعتها في أعناقكم و أول من تبدأون به في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أنا ثم أهل بيتي ثم عامة الناس.