فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 300

…و لما استقررت في مدينة فاس عزمت علىاستئناف العمل في الدوة إلى اتباع الوحي عملا بقوله تعالى في سورة الزخرف: {فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم و إنه لذكر لك و لقومك و سوف تسألون} الآيتان:43,44 ما أعظم هذه الآية! و ما أشد موت من لا تحركه و لا تثر فيه! فشاورت شيخنا المذكور في ذلك فوجدته قد استولى عليه اليأس فقال لي: دع هؤلاء الأموات فقد طبع الله على قلوبهم فقد تعبت في دعوتهم, و تعب قبلي رائد الدعوة السلفية العالم الكبير الشيخ شعيب الدكالي و كان بحرا زاخرا في علم الكتاب و السنة و علوم كثيرة فقلت له: يا أستاذي إني دعوة إلى الله في أقطار مختلفة فنجحت دعوتي و بلغت فوق ما أملت و هؤلاء القوم بشر كأولئك الذين دعوت فدعني أجرب فقال لي: توكل على الله.

…فبدأت دروس الدعوة في مسجد المدرسة العنانية في فاس فما مضى إلا أسبوع واحد حتى غص المسجد بالمستمعين, و بعد مدة حضر درسي رجل يرتدي بسة أوروبية فاخرة فلما فرغنا من الدرس و صلينا العشاء عرفني بنفسه و أخبرني أنه وزير الأوقاف و أثنا على درسي و قال لي: أين تريد أن تذهب؟ فقلت: أنا نازل في بيت أستاذي شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي فقال لي: أنا آخذك بالسيارة إلى هناك و ذهبنا إلى هناك, فرحب به شيخنا وزاده تعريفا بي فقال لي: إذا أتيت الرباط فأرجو أن تزورني في وزارة الأوقاف فزرته لما ذهبت إلى الرباط لألقي دروسي في الجامعة, و بين فاس و الرباط مئتان من الأميال المعروفة بكيلومتر. و إنما سكنت في فاس مع بعده من الجامعة خوفا من مرض الربو الذي يشتد علي و يخف أو يزول إذا ابتعدت منه, و قد علمتني التجارب أن كل من أصيب بهذا المرض في بلاد رطبة الهواء كشواطئ البحار فداوؤه أن يفر إلى الأراضي الجافة الهواء كالصحاري, أما من أصيب به في بلد يابس الهواء فدواؤه شواطئ البحر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت