…فزرت الأستاذ السيد مكي بادو فرحب بي و دعاني للطعام و أكرمني غاية الإكرام و لما خرجت من عنده جاءني أحد الموظفين و قال لي: إن السيد المكي يعلم أنك تلقي دروس الوعظ و الإرشاد لوجه الله لا تريد عليها مكافأة و لكنه يحب أن تكون واعظا رسميا معينا من قبل وزارة الأوقاف و قد جعل لك مائتي درهم في كل شهر و هذا شيء حقير جدا بالنسبة إلى مقامك و دروسك القيمة و لكن نظام الوزارة لا يسمح بأكثر من هذا فإن رواتب الوعاظ لا تزيد على مائتي درهم, فقبلت ذلك و استمررت على دروسي ثمانية أشهر.
…ثم انتقلت إلى مكناس بإشارة من أستاذي لأنها أقرب إلى الرباط فبينهما مائة و أربعون ميلا بنقص ستين ميلا هذا بعدما جربت هواءها و وجدته مناسبا, و شرعت ألقي دروسي في الجامع الكبير فأقبل الناس كذلك على درسي في مكناس إقبالا عظيما, و لكن الجامدين من الفقهاء و أصحاب الطرائق شرقوا بتلك الدروس و كذلك المتأكلون بالنسب و رأوأ أنها بدأت تهدم ما بنوه من قصور الخرافات على الرمال, و تظهر للعامة جهلهم و انحرافهم عن الجادة فأجمعوا على أن يكيدوا لي كيدا يقضي علي, و كان الذي تولى كبر ذلك رجل له نفوذ و دالة عند أمير مكناس و نواحيها و كان هذا الأمير من أبناء عمومة محمد الخامس رحمة الله عليه و بينهما مصاهرة فكان يفعل في إمارته ما يشاء و لعلو مكانته عند الملك لا يستطيع وزير و لا رئيس أن يعارضه, فكتب ذلك الشخص و معه أولئك الأعداء كتابا إلى وزارة الأوقاف يطلبون منعي من التدريس لأمور: مناه: أنني بزعمهم أنكر كرامات الأولياء و أنقض المذهب المالكي و عدوا أمورا سمعوها في درسي من إنكار الشرك و البدعو و وقع على هذا الكتاب خمسمائة شخص.