…فبدأت في إلقاء الدروس أحضر دروس القرىن و الحديث ثم ألقيها على الطلبة و كان عددهم في أول الأمر ثلاثيت طالبا, ففرح الطلبة بتلك الدروس و أقبلوا عليها إلا أربعة كانوا طرقيين تجانيين فإنهم كرهوا دروسي و أخذوا يشاغبون و يكثرون من الأسئلة التعنتية و أنا أدفعهم بالتي هي أحسن.
…و كان عندي أربعة دروس في كل أسبوع فكنت أتوجه إلى الرباط لإلقاء دروسي في جامعة محمد الخامس رحمه الله و أنتهي منها قبل الزوال و كان الوقت المحدد للدرسين الذين كنت ألقيهما في دار الحديث الحسنية أحدهما قبل صلاة العصر و الثاني بعدها و كنا في رمضان, فكنت أرجع إلى مكناس بعد الدرس الثاني فيدركني المغرب في الطريق فأفطر على التمر و الماء و كنت أتلقى تلك المشقة بصدر رحيب بل بفرح و سرور لما كنت أرجوا من أجرها و ثوابها و انتفاع الطلبة بها, و لكن مشاغبة أولئك المفسدين كانت تسوؤني خصوصا في رمضان الذي يجب فيه على كل مسلم أن لا ينطق إلا بالكلم الطيب فقلت في نفسي: لعل شر هذه الدروس أكثر من خيرها.
…و في ذات يوم كنت أفسر قوله تعالى: {إياك نعبد و إياك نستعين} فبينت أن كل من دعا غير الله أو استغاث به لجلب نفع أو دفع ضر فقد وقع في الشرك الأكبر الذي لا يغفر, فضج التجانيون و قالوا: كفرت أسلافنا!! فقلت: إن كل أسلافكم يدعون إلى الشرك بالله فأبعدهم اللله و أخرجت أحدهم من الدروس.
…و لم يكن معالي الوزير موجودا في الرباط بل كان مسافرا و عميد الكلية كان منصوفا خرافيا يزعم أن الأولياء إذا وصلوا درجة الفناء تسقط عنهم التكاليف و يباح لهم ارتكاب اللكبائر كلها, فصممت على ترك التدريس و كتبت استقالتي إلى معالي الوزير, و أعترف أن ذلك كان تسرعا مني و كان ينبغي لي أن أنتظر أوبته و لكن المقدر كائن و عذري في ذلك أني أردت أن أصون صيامي من اللغو عملا بقول من قال:
……إذا لم في السمع مني تصونا……و في بصري غض و في منطقي صمت