…قلنا: إن ذلك الفقيه أقام مأدبة في وضح النهار غي بيته في مرتيل على أعين الناس, و لما جاء الضيف الإسباني تلقاه أمام بيته و لم يكتف بمصافحته بل عانقه, فلما رأى ذلك أهل تطوان و هم أهل غيرة و شجاعة اشتد غمهم و حنقهم على الفقيه البياع ففكروا في عقاب ينزلونه به دون أن يتعرضوا لانتقام (بليدا) , فاتفقوا مقدارا كبيرا من العذرة الطرية و يلصقوه على باب بيته في جنح الليل ففعلوا ذلك فلما أصبح الناس اجتمع الذباب على باب بيته و جا الناس يتفرجون و قد كثر عددهم, و عادت أهل تطوان أنهم لا يقومون من النوم إلا في الصحى, فأخبر بعض الجيران الفقيه و أهله فقاموا فزعين و أخذوا ينظفون بابهم و الناس تنظر إليهم و بعضهم يضحك و بعضهم يتشفى و يقول: هذا جزاء البيع الذي يوالي أعداء وطنه و ينصرهم على قومه.
…الخامسة: ( وحقها أن تكون الأولى ) : أن هذا الفقيه كان تلميذا للشيخ محمد بن جعفر الكتاني الفاسي المغربي الذي قضى شطرا كبيرا من عمره في دمشق و كان محترما عند المغاربة و أهل الشام, و لما استولى الإسبانيون على تطوان و قسم من شمال المغرب استشار الفقيه التلميذ أستاذه الكتاني في الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام فاستحسن الشيخ ذلك و حثه عليه, فهاجر الفقيه إلى المدينة النبوية و أقام بها مدة, فلما خلع الفرنسيون السلطان عبد الحفيظ بن الحسن الأول سافر هذا السلطان إلى مصر ثم إلى الحجاز, فذهب إليه الفقيه المبتدع و شكا إليه حاله و أنه يريد أن يرجع إلى المغرب و يعود في هجرته, فأعانه على ذلك و رجع إلى تطوان, و لم يقتصر على هذا الذنب حتى صار بياعا فسخط عليه الشيخ الكتاني و هجره و استمر على ذلك حتى مات, و قد أشرت إلى ذلك في القصيدة حين قلت:
……فبؤت بسخط الله ثم رسوله……و سخط شيوخ كابن جعفر زهد