[ج 1: ص 125] جهينة وزودهم جراب تمر، فأصابهم جوع شديد، وكان أبو عبيدة يعطيهم جفنة جفنة، ثم أعطاهم تمرة تمرة، ثم ضرب لهم البحر بدابة يقال لها العنبر فأكلوا منها شهرًا، ثم أخذ أبو عبيدة ضلعًا فنصبه فمر راكب البعير تحته؛ فلما رجعوا إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أخبروه، فقال:"هو رزق رزقتموه من اللَّه هل عندكم منه شيء؟"، وسمى هذا الجيش جيش الخبط، وذلك أنهم جاعوا فكانوا يأكلون الخبط حتى صارت أشداقهم كأشداق الإبل. ثم استشار عمر بْن الخطاب رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن لي أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي منه: فما تأمرني، قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فحبس عمر أصلها وتصدق بها، لا تباع ولا توهب ولا تورث في الفقراء والغرباء، وما بقي أنفق في سبيل اللَّه وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف وأن يعطي طريفًا عنه غير متمول فيه. ثم إن بكر بْن عَبْد مناة بْن كنانة خرجت على خزاعة وهم على ماء لهم بأسفل مكة فقاتلوا، فلما بلغ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذلك، قال: للمسلمين:"كأنكم بأبي سفيان قد قدم لتجديد العهد بيننا"، وكان بديل بْن ورقاء بالمدينة فخرج إلى مكة راجعًا، فلما بلغ عسفان لقيه أبو سفيان، وكانت قريش قد بعثته إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لتجديد العهد، فقال له أبو سفيان: من أين أقبلت يا بديل؟ قال: سرت إلى خزاعة، قال: جزت بمحمد؟ قال: لا، ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طوته، فقال: يا بنيتي، ما أدري أرغبت بهذا الفراش عني أم رغبت بي عنه؟ قالت: هذا فراش رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك، نجس فلم أحب أن تجلس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم خرج أبو سفيان حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه، فلم يرد عليه شيئًا، فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال: ما أنا بفاعل، ثم خرج حتى أتى عمر فكلمه، فقال عمر: أنا أشفع لكم إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم! والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم بهم، ثم خرج أبو سفيان حتى دخل على علي بْن أبي طالب وعنده فاطمة بنت رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وعندها الحسن ابنها يدب، فقال: يا علي! إنك أمس القوم بي رحمًا، وأقربهم مني قرابة، وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت، اشفع لي إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: ويحك يا أبا سفيان، لقد عزم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال: هل لك أن تأمري ابنك هذا أن يجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر، قالت: ما بلغ ذلك ابني أن يجير بين الناس،