[ج 1: ص 126] قال يا أبا الحسن: إني أرى الأمور قد اشتدت علي، ما تنصح لي؟ قال: والله ما أعلم شيئًا يغني عنك، ولكن قم فأجر بين الناس، والحق بأرضك، قال: وترى ذلك يغني عني شيئًا؟ قال: والله ما أدرى! فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم خرج. فلما قدم على قريش مكة، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلمته، قال: فوالله ما رد على بشيء، ثم جئت ابْن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئت ابْن الخطاب فوجدته أعدى العدو، ثم جئت عليًّا فوجدته ألين القوم وقد أشار علي برأي صنعته، فوالله ما أدرى هل يغنيني شيئًا أم لا؟ قالوا: وبماذا أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت، قالوا: فهل أجاز مُحَمَّد ذلك؟ قال: لا، قالوا: ويحك! والله إن زاد علي بْن أبي طالب على أن لعب بك، والله ما يغني عنك ما فعلت. ثم عزم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على المسير إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال:"اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش"، فلما صح ذلك منه ومن المسلمين كتب حاطب بْن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يخبر بالذي قد أجمع عليه رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثم أعطاه امرأة من مزينة وجعل لها على أن تبلغه قريشًا فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت وأخبر اللَّه رسوله صلى الله عليه وسلم بما فعل حاطب، فبعث رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم علي بْن أبي طالب، والزبير بْن العوام، وقال:"أدركا امرأة من مزينة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قدمنا عليه"، فخرجا حتى أدركاها بالحليفة فاستنزلا والتمسا في رحلها، فلم يجدا شيئًا، فقال لها علي: إني أحلف بالله أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ما كذب ولا كذبنا، إما أن تخرجي الكتاب وإلا نكشفنك! فلما رأت الجد قالت: أعرض عني، فأعرض عنها علي، فحلت قرون رأسها واستخرجت الكتاب فدفعته إليه، فجاء به رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فدعا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حاطبًا فقال:"يا حاطب، ما حملك على هذا"؟ قال: يا رسول اللَّه! والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بينهم أهل وولد، فقال عمر: دعني أضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"وما يدريك يا عمر! لعل اللَّه قد اطلع يوم بدر إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". ثم خرج رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من المدينة، واستخلف على المدينة أبا رُهم كلثوم بْن حصين بْن عبيد بْن خلف الغفاري، وذلك لعشر مضين من رمضان، فصام رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فصام المسلمون، ومع رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آلاف من المسلمين، ولم يعقد الأولوية ولا نشر الرايات، فلما بلغ الكديد، والكديد ما بين عسفان وأمج، أفطر وأفطر المسلمون، وقد كان