[ج 1: ص 130] صفوان بْن أمية بجدة وهو يريد أن يركب البحر، فقال: يا صفوان! فداك أبي وأمي! أذكرك اللَّه في نفسك أن تهلكها! فهذا أمان من رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جئتك به، قال: ويلك، أغرب عني، قال: أي صفوان! فداك أبي وأمي أوصل الناس، وأبر الناس، وأحلم الناس، وخير ابْن الناس ابْن عمتك رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عزه عزك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك، قال صفوان: ويلك إني أخاف على نفسي فأعطاه العمامة، وخرج به معه، فلما وقف على رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه! هذا زعم أنك قد آمنتني، قال: صدق، قال: فاجعلني بالخيار شهرين، قال: أنت بالخيار أربعة أشهر. ثم جاء رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وطاف بالبيت سبعًا على بعيره يستلم الركن بمحجنه، ثم طاف بين الصفا والمروة، ثم دعا عثمان بْن طلحة الحجبي مفتاح الكعبة وفتحه، ثم دخله وصلى فيه ركعتين بين الإسطوانتين بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، ثم خرج فوقف على بابها وهو يقول:"لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ مثل العمد بالسوط والعصا، فيه الدية مغلظة مائة ناقة منها أربعون في بطونها أولادها، يا معشر قريش! إن اللَّه قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية {يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الآية، ثم قال: يا أهل مكة! ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، ثم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء"، فقام إليه علي بْن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول اللَّه! اجعل الحجابة مع السقاية فلتكن إلينا جميعًا، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أين عثمان بْن طلحة الحجبي"؟ فدعاه فقال:"هل لك مفتاحك"فدفعه إليه. فلما كان الغد من فتح مكة، عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خطيبًا، فقال:"أيها الناس! إن اللَّه حرم مكة خلق السماوات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ثم قال: إن اللَّه حبس عن مكة الفيل، وسلك عليها رسوله وإنها لم تحل لأحد قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لا تحل لأحد بعدي، لا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا يحل ساقطتها إلا لمنشد"، فقال العباس: إلا الإذخر، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إلا الإذخر". وكانت أم حكيم بنت الحارث بْن هشام تحت عكرمة بْن أبي جهل، وفاختة بنت الوليد تحت صفوان بْن أمية فلما أسلمتا، قالت أم حكيم لرَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وسألته أن يستأمن عكرمة فآمنه، وقد كان خرج إلى اليمن فلحقته باليمن