[ج 1: ص 132] فقال دريد: يا مالك! إنك أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم له ما بعد من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، فقال مالك: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم، قال: ولم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم فأنقض به، فقال: وهل يرد القوم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، ما فعلت كعب وكلاب؟ قال مالك: لم يشهد منهم أحد، قال: غاب الحد والجد، لو كان علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب، يا مالك! لا تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئًا، ارفعهم في متمنع بلادهم وعليا قومهم، ثم ألق الصباء على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد احرزت مالك، وأهلك، قال: تلك والله لا أفعل، لتطيعنني يا معشر هوازن! أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون فيها لدريد ذكر ورأي؛ قالوا: أطعناك، فقال مالك: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا عليهم شد رجل واحد. وجاء الخبر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فبعث عَبْد اللَّه بْن أبي حدرد الأسلمي، فدخل في الناس فأقام فيهم حتى سمع وعلم من كلام مالك وأمر هوازن ما كان وما اجمعوا له، ثم أتى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فأخبره. فأجمع على المسير إلى هوازن وقيل لرَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إن عند صفوان بْن أمية أدراعًا، فأرسل إليه، فقال:"يا أبا أمية أعرنا سلاحك نلقى فيها عدونا"، فقال: صفوان: أغصبا؟ قال: لا، بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح، وسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفيه حملها، فحملها صفوان لرَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وخرج رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من مكة معه ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف من أصحاب الذين فتح اللَّه بهم مكة، واستعمل على مكة عتاب بْن أسيد بْن أبي العيص بْن أمية أميرا. وكان مقامه صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة ليلة يقصر فيها الصلاة، فبينا الناس مع رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يسيرون إذا مروا بسدرة، قال أبو قتادة الليثي: يا رسول اللَّه! اجعل هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان للكفار سدرة يأتونها كل سنة ويعلقون عليها أسلحتهم ويعكفون عليها ويذبحون عندها، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اللَّه:"الله أكبر! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ} ، لتركبن سنن من قبلكم".