[ج 1: ص 136] وأعطى حكيم بْن حزام مائة من الأبل، وأعطى مالك بْن عوف مائة من الأبل، وأعطى عباس بْن مرداس السلمي شيئا دونهم، فقال فيه أبياتا، ولم يعط الأنصار منها شيئا، فقال قائل الأنصار: ألا إن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قد لقي قومه! فانطلق سعد بْن عبادة فدخل على رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول اللَّه! الأنصار قد وجدوا في أنفسهم مما رأوك صنعت في هذه العطايا، قال:"فأين أنت من ذلك يا سعد؟"قال: ما أنا إلا رجل من قومي، قال:"فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة"، فخرج سعد فنادى في قومه: إن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تجتمعوا في هذه الحظيرة، فقاموا سراعا، وقام سعد على باب الحظيرة فلم يدخلها إلا رجل من الأنصار، وقد رد أناسا، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذه الأنصار قد اجتمعت لك، فخرج إليهم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:"يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم أكثرتم فيها، ألم تكونوا ضلالا فهداكم اللَّه؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم اللَّه؟ ألم تكونوا أعداء فألف اللَّه بينكم؟"قالوا: بلى، قال:"أفلا تجيبونني؟"قالوا: إليك المن والفضل، قال:"أما والله لو شئتم لقلتم وصدقتم: جئتنا طريدا فآويناك، ومخذولا فنصرناك، وعائلا فآسيناك، ومكذبا فصدقناك، أوجدتم في أنفسكم من لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا، ووكلتم إلى إيمانكم؟ أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة، والبعير وتذهبون برسول اللَّه إلى رحالكم، فوالذي نفس مُحَمَّد بيده! لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار إن الأنصار كرشي عيبتي، اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، ولأبناء أبناءهم!"، فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله وبرسوله حظا وقسما ونصيبا؛ ثم تفرق الأنصار. وفي هذه المقالة قال ذو الخويصرة: يا رسول اللَّه! اعدل، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"شقيت إن لم أعدل". ثم علقت الأعراب برَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يسألونه حتى ألجأوه إلى شجرة عظيمة وخطفت رداءه، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"ردوا على ردائي، فوالذي نفس مُحَمَّد بيده! لو كانت عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني كذوبا، ولا جبانا، ولا بخيلا". ثم خرج رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمرا فاعتمر منها فبات بالجعرانة، واستخلف على مكة عتاب بْن أسيد أميرا، وخلف معه معاذ بْن جبل يفقه الناس ويعلمهم القرآن، وكانت هذه العمرة في ذي القعدة. ثم خرج رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من الجعرانة يريد المدينة، فسلك في وادي سرف حتى خرج على سرف، ثم مر على الظهران حتى قدم المدينة في بقية ذي القعدة.