[ج 1: ص 169] نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخلع من يكفرك! ثم نزل واستقام له الأمر بعد رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وبايعه الناس ورضوا به، وسموه خليفة رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلا شرذمة مع علي بْن أبي طالب تخلفوا عن بيعته، وكان أسامة بْن زيد يقول: أمرني رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن أغير صباحا على أهل أبنى، ثم أمر أبو بكر أن يبعثوا بعث أسامة بْن زيد، فقال له الناس إن العرب قد انتقضت عليك، وإنك لا تصنع بتفرق المسلمين عنك شيئا، قال: والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السباع أكلتني بهذه القية لأنفذت هذا البعث الذي أمر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بإنفاذه، ثم قال أبو بكر لأسامة: إن تخلف معي عمر بْن الخطاب فافعل، فأذن له أسامة فتخلف عمر مع أبي بكر، ومضى أسامة حتى أوطأهم، ثم رجع فسمع به المسلمون فخرجوا مسرورين بقدومه، ولواءه معقود حتى دخل المسجد فصلى ركعتين، ثم دخل بيته ولواءه معقود، ويقال: إنه لم يحل اللواء حتى توفي، ووضعه في بيته، ثم كتب أبو بكر الصديق كتابا إلى معاذ بْن جبل يخبره بموت رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وبعثه مع عمار بْن ياسر، وقد كان معاذ أتى اليمن فبينا هو ذات ليلة على فراشه، إذا هو بهاتف يهتف عند رأسه، يا معاذ: كيف يهنئك العيش، ومحمد في سكرات الموت؟ فوقف فزعا ما ظن إلا أن القيامة قد قامت، فلما رأى السماء مصحية والنجوم ظاهرة استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم نودي الليلة الثانية يا معاذ كيف يهنئك العيش ومحمد بين أطباق الثرى؟ فجعل معاذ يده على رأسه وجعل يتردد في سكك صنعاء، وينادي بأعلى صوته يا أهل اليمن ذروني لا حاجة لي في جواركم، فما شر الأيام يوم جئتكم وفارقت رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فخرج الشبان من الرجال والعواتق من النساء، وقالوا: يا معاذ! ما الذي دهاك فلم يلتفت إليهم، وأتى منزله وشد على راحلته، وأخذ جرابا فيه سويق وإداوة من ماء، ثم قال: لا أنزل عن ناقتي هذه إن شاء اللَّه إلا لوقت صلاة حتى آتى المدينة، فبينا هو على ثلاثة مراحل من المدينة إذ لقيه عمار فعرفه بالبعير، قال: اعلم يا معاذ أن محمدا قد ذاق الموت وفارق الدنيا، فقال معاذ: يا أيها الهاتف في هذا الليل القار من أنت يرحمك اللَّه؟ قال: أنا عمار بْن ياسر، قال: وأين تريد؟ قال: هذا كتاب أبي بكر إلى معاذ يعلمه أن محمدا قد مات وفارق الدنيا، قال معاذ: فإلى من المهتدى والمشتكى؟ فمن لليتامى والأرامل والضعفاء؟ ثم سار ورجع عمار معه، وجعل يقول: نشدتك بالله كيف أصحاب مُحَمَّد؟ قال: تركتهم كغنم بلا راع، قال: كيف تركت المدينة، قال: تركتها، وهي أضيق على أهلها من الخاتم، فلما كان قريبا من المدينة سمعت عجوزا وهي تذكر