[ج 1: ص 206] جدة، وكانوا قبل ذلك في الجاهلية يرسون بالشعيبة، وقالوا: جدة أقرب إلى مكة وأوسع وأقرب من كل ناحية. فخرج عثمان إلى جدة فرآها ورأى موضعها وأمرهم أن يجعلوها بمكان الشعيبة، فحول الساحل إلى جدة ودخل البحر وقال: إنه مبارك، وقال لمن معه: ادخلوا، ولا يدخلها إلا بمئزر، ثم خرج عثمان من جدة على طريق يخرجه إلى عسفان ثم مضى إلى الجار، فأقام بها يومًا وليلة، ثم انصرف فمر بعلي بْن أبي طالب رضي اللَّه عنه في منصرفه وهو يمرض الحسين مع جماعة من بني هاشم، فقال عثمان: قد أردت المقام عليه حتى تقدم، ولكن الحسين عزم علي وجعل يقول: امض لرهطك، فقال علي: ما كان ذلك بشيء يفوتك، هل كانت إلا عمرة؟ إنما يخالف الإنسان فوت الحج، فأما العمرة فلا، فقال عثمان: إني أحببت أن أدرك عمرة في رجب، فقال علي بْن أبي طالب: ما رأيت رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب قط، وما اعتمر عمراته الثلاث إلا في ذي القعدة، ثم رجع عثمان إلى المدينة، ثم مضى علي مع الحسين إلى مكة. وافتتح عثمان بْن أبي العاص سابور الثانية على ثلاثة آلاف ألف وثلاثمائة ألف صلحًا، ودخل في صلحهم كازرون، وبعث عثمان بْن أبي العاص هرم بْن حيان العبدي إلى قلعة بجرة على ذلك، وهي يقال لها قلعة الشيوخ، فافتتحها عنوة وسبى أهلها؛ وحج بالناس عثمان بْن عفان. فلما دخلت السنة السابعة والعشرون استشار عثمان بْن عفان أصحاب رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في إفريقية فأشاروا عليه بذلك، وكان عثمان يكره ذلك لأن عمر كان يكرهه ويقول: إنها لا تحمل واليًا مقتصدًا، فخرج عَبْد اللَّه بْن أبي سرح، وجلب عثمان إبلا كثيرة من الربذة وسرف، وحمل عليها سلاحًا كثيرًا، وسار المسلمون معها يلحقون بعبد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح، فلما التقى المسلمون والمشركون ألقى اللَّه في قلوبهم الرعب، وفض ذلك الجمع حتى طلبوا الصلح، فصالحهم عَبْد اللَّه بْن أبي سرح على ألفي ألف وخمسمائة ألف وعشرين ألفًا. فلما كان العيد خطبهم عثمان، وكان صادف العيد يوم الجمعة فقال: من كان من أهل العالية وأحب أن يجتمع معنا فعل، وإلا فليجلس في موضعه. فافتتح عثمان بْن أبي العاص أرجان ودارابجرد، وصالح أهلها على ألفي ألف ومائة.