[ج 1: ص 29] خالد، وأخواته: عائشة، وزينب، وفاطمة بنات الحارث، فلم يزل المسلمون بأرض الحبشة إلى أن ذكر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الخروج إلى المدينة، فمنهم من رجع إلى مكة فهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومنهم من بقي بأرض الحبشة حتى لحق رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة. وخرج أبو بكر الصديق من مكة مهاجرًا إلى أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة، وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج، أنت تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك خافر فارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكلَّ، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مُر أبا بكر فليعبد ربه في داره وليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن فإنا نخشى أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بعد ذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناءهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاء لا يملك عينيه عليهم؛ فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد في داره، فقد جاوز ذلك وابتنى مسجدًا بفناء داره، وأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، فإن أبي إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك؛ فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر بالاستعلان، فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال: فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في عقد رجل عقدت له، قال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار اللَّه ورسوله صلى الله عليه وسلم طارق بْن عَبْد اللَّه المحاربي، قال: رأيت رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في سوق ذي المجاز، وعليه حلة حمراء ينادي بأعلى صوته:"أيها الناس، قولوا: لا إله إلا اللَّه"، ورجل يتبعه