[ج 1: ص 59] بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت بمكة، ولا دار إلا دخلها منها فلقة، قال العباس: والله إن هذه لرؤيا فاكتميها ولا تذكريها. ثم خرج العباس فلقي الوليد بْن عتبة وكان له صديقا فذكرها له، فذكرها الوليد لأبيه ففشا الحديث بمكة، فقال أبو جهل: ما يرضى بنو عَبْد المطلب أن يتنبأ رجالهم، حتى تتنبأ نساؤهم، وكان أبو سفيان بْن صخر أقبل من الشام في عير لقريش عظيمة من قريش، منهم عمرو بْن العاص، ومخرمة بْن نوفل الزهري، وكان أبو سفيان يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان؛ فأصاب خبرا من الركبان أن محمدا قد نفر في أصحابه، فحذر عند ذلك واستأجر ضمضم بْن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها، فدخل ضمضم في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة مكة، وهو يصرخ ببطن الوادي، وقد جدع بعيره وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش! اللطيمة اللطيمة، قد عرض لها مُحَمَّد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها أو لا تدركوها، الغوث الغوث! فتجهزت قريش سراعا، إما خارج، وإما باعث مكانه رجلا، وخرجت تريد العير. ولما بلغ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصفراء، بينها وبين المدينة ثلاث ليال، بعث عدي بْن أبي الزغباء الجهني حليف بني النجار، وبسبس بْن عمرو الجهني حليف بني ساعدة قدامه إلى مكة، فلما نزلا الوادي أناخ إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنا لهما يستسقيان فيه، وعلى الماء إذ ذاك مجدي بْن عمرو الجهني، فسمع عبدي وبسبس جاريتين من جواري جهينة، وهما يتلازمان، فقالت الملزومة لصاحبتها: إنما يأتي العير غدا، أو بعد غد، فأعمل لهم وأقضيك الذي علي، فقال مجدي: صدقت، وخلص بينهما؛ فلما سمع بذلك عدي وبسبس ركبا راحلتيهما ثم انطلقا حتى أتيا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فأخبراه. وأقبل أبو سفيان وقد تقدم العير حتى ورد الماء حذرا من الذي كان يخافه، فقال لمجدي بْن عمرو: وهل أحسست أحدا؟ فقال: والله ما رأيت أحدا إلا أني رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل؛ فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته؛ فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع وضرب وجوه عيره فساحل بها، وترك بدرا يسارا، وانطلق حتى أسرع. وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بْن الصلت بْن مخرمة رؤيا، فقال: أنا بين النائم واليقظان، رأيت رجلا قد أقبل على فرس له، حتى وقف، ثم قال: قتل عتبة بْن ربيعة،