فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 2405

[ج 1: ص 107] ثم أقبل رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يريد المدينة، وكانت عائشة تحمل في هودج، فنزلوا منزلا فمشت عائشة لحاجتها حتى جاوزت الجيش، فلما قضت شأنها أقبلت إلى رحلها فإذا عقد لها من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت تلتمس عقدها، وحبسها ابتغاؤه، فأذن بالرحيل، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونها فاحتملوا هودجها على بعيرها الذي كانت تركب عليه، وهم يحسبون أنها فيه، وكانت النساء إذ ذاك خفافا، وساروا؛ فرجعت عائشة بعدما رحل الجيش، فجاءت منازلهم فإذا ليس بها داع ولا مجيب، فأمت منزلها التي كانت فيه وعلمت أنهم سيفقدونها، فبينا هي جالسة إذ غلبت عينها عليها، وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلها، فرأى سواد إنسان نائم فعرفها حين رآها، وكان رآها قبل أن ينزل الحجاب، فاستيقظت عائشة باسترجاعه حين عرفها، فخمرت عائشة وجهها بجلبابها، وما كلمها حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فقامت إليه فأركبها، وانطلق يقود الراحلة حتى أتى الجيش فوجدهم موغرين في نحر الظهيرة، فهلك فيها من هلك وكان الذي كبره عبد الله بن أبي بن سلول. فلما قدموا المدينة لبثت عائشة شهرا والناس يخوضون في قول أصحاب الإفك وهي لا تشعر بشيء من ذلك، فكان رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يأتيها فيسلم عليها، ويقول:"كيف تيكم". وينصرف، وكان تراها ذلك من رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فخرجت ذات ليلة مع أم مسطح قبل المناصع، وكانت متبرزهم قبل أن تتخذ الكنف، فلما فرغتا من شأنهما عثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح! فقالت لها عائشة: بئس ما تقولين، تسبين رجلا من أهل بدر؟ فقالت: أي هنتاه! ألم تسمعي ما قال؟ قالت عائشة: لا، فأخبرتها بقول أهل الإفك فازدادت مرضا؛ فلما دخل عليها رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالت: ائذن لي أن آتي إلى أبوي، فأذن لها رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا أبتاه ماذا يتحدث الناس؟ قال: يا بنتي هوني عليك! فوالله لقل ما كانت امرأة قط عند رجل يحبها لها ضرار إلا أكثرن عليها، فبكت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم. فلما أصبح دعا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار على رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وقال: أهلك لا نعلم إلا خيرا، وأما علي فقال: يا رسول الله! لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك، فدعا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال:"أي بريرة! هل رأيت من أهلي شيئا يريبك"؟ قالت بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها شيئا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين فتأتي الداجن فتأكله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت