فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 2405

[ج 1: ص 108] فقام رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من يومه، واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول وهو على المنبر، فقال:"يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما يدخل على أهلي إلا معي"، فقال أسيد بن حضير: يا رسول الله! أنا أعذر منه فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك؛ وكاد أن يكون بين الأوس والخزرج قتال بهذه الكلمة، فلم يزل رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، وبكت عائشة يومها ذلك كله، فبين أبواها جالسين عندها وهي تبكي، إذ استأذنت عليها امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معها. ثم دخل رسول الله صلى الله عليه ثم جلس ثم تشهد حين جلس، ثم قال:"أما بعد يا عائشة! فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه"، فلما قضى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحسست منها بقطرة، وقالت لأبيها: أجب رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال، فقال أبو بكر: والله ما أدري ما أقول! فقالت لأمها: أجيبي رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت: والله ما أدري ما أقول! فقالت عائشة: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في نفوسكم وصدقتم، فلو قلت لكم: إني بريئة لا تصدقوني بذلك، وإن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة تصدقوني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا ما قال أبو يوسف {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ على مَا تَصِفُونَ} ، ثم تحولت عائشة واضطجعت على فراشها؛ فما راح رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من البيت حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من الرحضاء، حتى إنه ينحدر منه العرق مثل الجمان وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه، فسرى عن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لها:"يا عائشة! أما والله فقد برأك". فقالت لها أمها: قومي إليه، فقالت: لا والله ما أقوم وإني لا أحمد إلا الله، وأنزل الله {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ} ، إلى تمام العشر الآيات؛ فلما أنزل الله هذه الآيات، قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا بعد الذي قال لعائشة؛ فأنزل الله {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى} الآية، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح بالنفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنتزعها منه أبدا. وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم حد أصحاب الإفك الذين رموا عائشة فيما رواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت